عين القضاة
88
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وقال : ( من شهد المعطي بالعطاء فعرفانه بالتوسل ، ومن لم يشغل بالعطاء كان له المعطي والعطاء ) . أقول : أي من عرف المنعم الحقيقيّ ، توالت نعمه بسبب النعمة ، وأحبّه لأجلها ، فعرفانه وحبّه بوسيلة النعمة ، ومن عرفه بذاته واشتغل به دون النعمة ، كان له المنعم والنعمة ، مثلهما رجلان يريد أحدهما الدنيا دون الآخرة ، والآخر الآخرة دون الدنيا ، فتكون له الآخرة والدنيا زيادة ؛ كما قال سبحانه : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) [ الشّورى : الآية 20 ] . وقال : ( من نظر إلى الموجود بربّه ، صار وجوده وعدمه رؤية واحدة ) . أقول : يعني من نظر إلى الموجود الممكن وجوده ، ورآه قائما بربّه ، لا بنفسه ، رآه معدوما بذاته ، سواء نظر إلى وجوده ، أو عدمه ، فكلا الرؤيتين واحدة ، مثاله ظلّ قائم بشخص ، تراه معدوما نظرا إلى ذاته ، سواء عليك أرأيت وجوده بالشخص ، أم عدمه بذاته . وقال : ( من نظر من نفسه إلى نفسه رضيها على فعلها ، ومن نظر بالعلم إلى نفسه اعتبر بأخلاقها ، واجتهد في ترك حظّها ، ومن نظر من ربّه إلى نفسه مقتها ، وأهلكها ، وتبرّأ من فعلها ) . أقول : الأخلاق والأفعال الصادرة من النفس مرضية عند من نظر من نفسه إلى نفسه ، أي من طبيعة مذمومة عند من نظر إليها بالعلم ، وممقوتة عند من نظر إليها من ربّها ، فإنّ من أخلاقها التكبّر والاستعلاء ، والمكر والخديعة ، والبخل والحسد ، وأمثالها . فمن نظر إليها منها رضيها ورضى ما صدر عنها ، ومن نظر إليها بالعلم اعتبر بأخلاقها ، أي ذمّها كما ذمّ أخلاقها ، وأبعدها عن حظّها ، ومن نظر إليها من ربّه مقتها ، وأهلكها ، وتجنّب عن فعلها ؛ لأنّه يراها منازعة لربّه ، طالبة ما يطلب الحقّ لنفسه من المعبوديّة والمسجوديّة ، والكبرياء والعظمة ، حاجبة له بظهورها ، قال الرسول صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم حكاية عن ربّه :