عين القضاة
86
شرح كلمات بابا طاهر العريان
الحدوث ، ونادى منادي العزّة لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [ غافر : الآية 16 ] ، وأجابه بقوله : لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ إبراهيم : الآية 48 ] ، فلا يراه إلّا هو ، وتكون المشاهدة بالنسبة إلى العبد قهرا بلا رؤية . وقال : ( الحركة من المشاهدة شرك ) . أقول : أي حركة نظر المحبّ من مشاهدة محبوبه إلى الغير شرك . وقال : ( حركة الإرادة مع المشاهدة شرك ، ونفي الإرادة في المشاهدة كفر ) . أقول : هذا القول أبلغ من السابق ؛ لأنّ معناه حركة إرادة النظر إلى الغير شرك ، ولا يلزم من حركة الإرادة حركة المراد ، ويحتمل معنى آخر ، وهو أنّ المشاهدة المحبّ لا يريد مع مشاهدة المحبوب شيئا آخر منه من حظوظ النفس ، فإنّ هذه الإرادة شرك في المراد . وقوله : ( نفي الإرادة في المشاهدة كفر ) أي من لم يكن له إرادة في مشاهدة الحقّ ، ولقائه ، فهو كافر . وقال : ( المراقبة حفظ علم المشاهدة ) . أقول : المشاهدة حال يلوح تارة ، ويحول أخرى إلى أن يستقرّ ، وكلّما حالت خلف من بعدها خلف هو علمها ، وحفظ هذا العلم هو بالمراقبة ، وهذا أحد الوجهين لمعنى قوله : ( المراقبة حفظ علم المشاهدة ) . والوجه الآخر : أنّ المراقبة حفظ العبد علم مشاهدة الحقّ إيّاه ؛ لأنّ اللّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ المائدة : الآية 117 ] ، فعلم العبد أنّه شهيد على ظاهره وباطنه ، وحفظه في القلب رقبة منه متعلّقة برقبة الحقّ إيّاه ، وهذا الوجه أقوم من حيث الاشتقاق والاصطلاح ؛ لأنّ المراقبة في اصطلاح الصوفيّة عبارة عن اطّلاع الحقّ عليه . وقال : ( المراقبة علم اليقين ، والمشاهدة عين اليقين ) . أقول : معناه ظاهر ، وعلم اليقين يحتمل الوجهين في تفسير علم المشاهدة .