عين القضاة

83

شرح كلمات بابا طاهر العريان

عبده بأمثال هذه المتقابلات ، لئلّا يسكن إلى شيء ، ولا يبقى له حظّ فيما سواه بحيث ينساه . وكذلك العبد في كلّ واحدة منها يذكر ربّه بأن يفهم مراده بها منه ، وهو ترك الحظّ ، أو بأن يراها نعمة منه ، إمّا ظاهرة كالعافية والرخاء أو باطنة كالبلوى والشدّة ، ولا يكون هذا الذكر إلّا لمن فنى هواه ، وبقي مع اللّه بلا حظّ ، ولا يذكره أبدا ؛ ولذلك قال : ( وحقيقة الذكر نسيان الحظّ ) . وقال : ( نسيان الحظوظ من وجهين ؛ من غلبة حقّ ، أو غلبة غفلة ، فمن نسي حظّه لغلبة حقّه ، ردّته حقيقة الحقّ إلى الذكر ، ومن نسي حظّه من غلبة غفلته ، ردّته حقيقة الغفلة إلى نسيان حظّه مع اللّه ) . أقول : الحقّ المراد هنا ما في مقابل الحظّ ، وهو ما لا بدّ منه من حاجات النفس ، ويسمّى ضرورة أيضا ، فالحظّ ما زاد عليه ، ويسمّى سعة أيضا ، والمريد في بدايته مطالب بالاقتصار على الحقّ وترك الحظّ ، ويتطارد فيه الحقّ والحظّ ، فتارة يغلب هذا ، وأخرى ذاك ، إلى أن يغلب الحقّ ، ويبلغ تركه إلى نسيانه ، وقد ينسى الحظّ بسبب آخر ، وهو غلبة الغفلة عن الحظّ ؛ لغلبة الحضور مع اللّه تعالى . فعلى الأوّل : لا يكون الحظّ مغفولا عنه منسيّا بالكلّية ، ولذلك يردّ الناسي إلى ذكره بعد النسيان . وعلى الثاني : يكون الحظّ مغفولا عنه ، منسيّا بالكلّية ؛ ولذلك لا يردّ الناسي إيّاه إلى ذكره ، بل يردّ إلى النسيان ، أي لا يذكره بحال ، فيكون مع اللّه تعالى بلا علاقة ؛ كما قال الجنيد - رحمه اللّه - في وصف الصوفي : هو الذي يكون مع اللّه بلا علاقة . ولا يلزم أن يكون هذا الناسي أعلى رتبة من الأوّل ، حيث لا يرجع مع اللّه إلى ذكر حظّ يطلبه منه ؛ لأنّه في مقام الفناء معه ، والأوّل قد يكون في مقام البقاء به ، وهو أعلى من الفناء .