عين القضاة
84
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وقال : ( رأس الطغيان الجهل والغفلة ، وحقائق المعارف كلّها جهل وغفلة ، والجهل بالغفلة كفر ، والغفلة عن الجهل توحيد ) . أقول : الطغيان تجاوز الحد ، يقال طغى الماء إذا تجاوز حدّه ، والجهل مذموم إن كان لعدم المعرفة ، ومحمود إن كان لوجودها ، وكذلك الغفلة مذمومة إن كانت عن اللّه تعالى ، ومحمودة إن كانت عن نفسك ، وأصل الطغيان الجهل والغفلة المذمومان ، وحقائق المعارف كلّها الجهل والغفلة المحمودان ، بأن تسلب العلم عن نفسك بقصره على اللّه تعالى ، وتغفل عن نفسك بحضورك معه . فإنّ هذا الجهل نتيجة العلم باللّه تعالى ، لا الغفلة عنه ؛ إذ الجهل بسبب الغفلة عنه كفر ، ومع هذا فغفلتك عن جهلك باللّه تعالى عين التوحيد ؛ لأنّك إذا ذكرت نفسك بالجهل فقد أثبتّها ، وأثبتّ لها صفة ، وذلك نوع من الشّرك . وقال : ( الغفلة ثلاث : غفلة الصادقين ، وغفلة العارفين ، وغفلة الغافلين ، فأمّا غفلة الصّادقين فالتعلّق بالذكر عن المذكور . وأمّا غفلة العارفين ، فالرجوع من العزائم إلى الرّخص . وأمّا غفلة الغافلين ، فإمهال الحقّ للعالمين ) . أقول : معناه أنّ الغفلة عن اللّه ثلاث درجات : 1 - غفلة عن ذاته وذكره وحكمه ، وهي غفلة الغافلين ، الذين لا يهتدون الحقّ ، ولا يذكرونه ، ولا ينقادون لحكمه . 2 - وغفلة عن ذاته دون ذكره وحكمه ، وهي غفلة الصّادقين ، الذين يذكرون اللّه ويطيعونه ، ولا يشهدونه . 3 - وغفلة عن عزائم حكمه لا عن ذاته وذكره ، وهي غفلة العارفين الذين يشهدون الحقّ ويذكرونه ، لكنّهم قد يزلّون عن بعض عزائم أحكامه إلى الرّخص ؛ لغفلتهم عن حظّ المريد بها . ولمّا كان الابتلاء من اللّه تذكيرا للمبتلى ، فإمهاله الحقّ يكون سبب غفلتهم عن ذكره - والصّادق في الإرادة لا يمهله الحقّ بذكره أبدا - تارة بالبلوى ، وأخرى بالعافية .