عين القضاة

46

شرح كلمات بابا طاهر العريان

بهذا في قوله صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم : « من عرف نفسه ، فقد عرف ربّه » « 1 » . أي ، تمتنع معرفة النفس لامتناع لازمها ، وهو معرفة اللّه ؛ وذلك لأنّ اللّه تعالى استودعها حقائق الأشياء كلّها ، وأظهر منها أخلاق جميع الحيوان ، والملائكة ، والشياطين ، وغيرها ، وأضاف إليها أخلاق الربوبيّة وتمّمها بها ، فلا يعرف جوهرها لذلك . وقال : ( خلق اللّه النّفس ، فجعل لها أخلاقا من أخلاق جميع الحيوان ، فلها خلق من أخلاق الملائكة ، ولها خلق من أخلاق الشياطين ، وخلق من أخلاق الوحش ، وخلق من أخلاق السبع والبهيمة ، وخلق من أخلاق الطيور . فأمّا الخلق من أخلاق الملائكة فالطاعة والعبادة ، وأمّا الخلق من أخلاق الشياطين فالعجلة والسرعة والحدّة ، وأمّا الخلق من أخلاق الوحش فالنفور والاستيحاش ، وأمّا الخلق من أخلاق السباع والبهيمة فالقهر والكسر والأكل والشرب وغيرها ، وأمّا خلق الطير فالخفة والسير . ثمّ أكمل أخلاقها بأخلاق الربوبيّة ، من الكبر ، والتعظيم ، وطلب المدح ، والتعبّد ، ولذلك أمر اللّه تعالى بمخالفتها ومجاهدتها . ثمّ جميع ما استعبد اللّه سبحانه به خلقه ، من ذكره ومدحه ، يريد النّفس به ومن أجلها ؛ فلذلك صارت عدوّا ) . أقول : فصّل في هذا الفصل جميع أخلاق النفس ، التي تعرف منها ، أحسن التفصيل ، فلا حاجة إلى البيان . قال : ( جبلت النّفس على محبّة ممنوعاتها ) . أقول : أي خلقت النفس على محبّة كلّ ما منع عنها من المحرّمات والمكروهات والفضول ، فلا بدّ من مخالفتها ومجاهدتها ، ومن هذا المعنى قيل : لو اشتبه عليك خاطران يتساويان بنظر العلم ، ولم تدر أيّهما اتّبعت ، فاتّبع ما يخالف النّفس ، لأنّه أقرب إلى الحقّ .

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2532 ) [ 2 / 343 ] ؛ والهروي في المصنوع [ 1 / 347 ] .