عين القضاة

47

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( من رأى لنفسه متّكلا ، لم يسلم من الكبر ) . أقول : الاتّكال على الشيء الاعتماد عليه ، والمتّكل اسم المكان منه ، أي من رأى لنفسه شيئا يعتمد عليه من الأعمال والأحوال ، لم يجد السلامة من الكبر ؛ لأنّه يجد في نفسه يتملّكها غنى ، والغنى سبب الكبر والطغيان ، قال اللّه تعالى : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) [ العلق : الآيتان 6 ، 7 ] . وقال : ( من لا يرى لنفسه متّكلا ، فهو متواضع ) . أقول : معناه ظاهر ممّا سبق ؛ لأنّه إذا لم ير لنفسه متّكلا كان متحقّقا بالفقر ، والفقر ينتج في النفس انكسارا ، وتواضعا . وقال : ( أرى قناديل تزهر من وصفي ، وشررا يبرق من هواي ، ونيرانا تشتعل من نفسي ، وغلبة تهيج من بشريتي ، وذلك كلّها ما ظهرت من نفس النّفس ، ولا يعرف لها غير أخلاقها ، وهي ما وصفت ) . أقول : الشرر ما يرتفع من اللّهب ، والهوى ميل النفس إلى أصول خلقها ، من التراب ، والطين اللّازب ، والحمأ المسنون ، وصلصال كالفخّار ، ولها بحسب كلّ ميل خلق من البخل ، والحسد ، والشهوة ، والغضب ، والكبر ، وغيرها . وهذه الأخلاق نيران تشتعل من النفس ، كلّ نار ترمي بشرر هو ميلها إلى أصلها ، وتلك النّيران بشررها غلبة تهيج من البشريّة ، وهي ظاهرة النّفس مأخوذة من البشريّة . كما أنّ الأنوار الظاهرة - من العبادات والصالحات - قناديل تزهر من وصف الآدمية ، وهي باطن النفس من الإدمة ، قال اللّه تعالى في وصف أهل النار ، وحيلولة المال بينهم وبين أهل الأنوار : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [ الحديد : الآية 13 ] . والنفس الحيواني لها تنفّس ؛ إذ لا بدّ لكلّ حيوان منه ، وكما أنّ لكلّ تنفّس منه نفسين ، أحدهما داخل يمدّ الحياة ، والآخر خارج يكون مادّة لصورة