عين القضاة
45
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وقال : ( انتهاء العقل إلى التحيّر ، وانتهاء التحيّر إلى السّكر ) . أقول : يعني ، لا يهتدي العقل أبدا إلى معرفة اللّه سبحانه ، بل ينتهي في طلبها إلى التحيّر ، وينتهي تحيّره إلى السكر ، وهو ارتفاع التمييز عنه . وقال : ( النّفس سجن الروح ، والدّنيا سجن النّفس ) . أقول : يعني ، أنّ الروح القدسي لتعلّقه بالنفس الإنسانية مقيّد بها ، ومنجذب إليها ، فهي سجنه . وأمّا النفس ، فتعلّقها بالدنيا وأحوالها سجن لها ، ومقيّدة بها ، فهي سجنها ؛ كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم : « الدّنيا سجن المؤمن » « 1 » . وقال : ( اللّيل للسكون ، والنهار للحركات ، فاللّيل النّفس المظلمة ، والنهار الروح المنيرة اللّائحة ، فالسكون لها دليل الطمأنينة إلى الأرض ، وذلك قفل النّفس ، والحركات للروح دليل المعارج والطيران إلى الملكوت ، وذلك قفلها ) . أقول : لمّا كانت النفس مظلمة ، ساكنة إلى الأرض التي هي محتدّها الأصلي ، شبّهها بالليل لما فيه من الظلمة والسكون ، وكذلك الروح لمّا كانت نيّرة متحرّكة في العروج إلى الملكوت بذاتها ، شبّهها بالنهار لما فيه من النور والحركة ، وسكون النفس إلى أرض القالب قفلها ؛ أي سبب تقييدها عن العروج في متعابعة الروح ، وحركة الروح قفلها ؛ أي سبب تقيّدها عن السكون إلى ذي الملك والملكوت . وقال : ( حقيقة النّفس لا تدرك بالعلم ، ولا تعرف بالوجد ، بل يعرف منها الأخلاق « 2 » والاسم ) . أقول : أي ، كما تدرك حقيقة الحقّ بالعلم ، ولا تعرف بالوجد ، بل يعرف منها الأخلاق والاسم ، وربط معرفة اللّه عزّ وجلّ بمعرفة النّفس ، مشعر
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الزهد والرقائق ، حديث رقم ( 2956 ) [ 4 / 2272 ] ؛ والحاكم في المستدرك على الصحيحين ، ذكر سلمان الفارسي ، حديث رقم ( 6545 ) [ 3 / 699 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) وفي نسخة [ الإطلاق ] بدل [ الأخلاق ] .