عين القضاة
41
شرح كلمات بابا طاهر العريان
أقول : أراد بالإلهام خاطر الحقّ ، وبالوسوسة خاطر الشيطان ، وباللّمة خاطر الملك ، وبالهاجس خاطر النفس ، واللّمة في قوله صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم : « إنّ للشيطان لمّة بابن آدم ، وللملك لمّة » « 1 » ، كذلك بابن آدم أعمّ ، والهاجس ما يقع في القلب من حديث النفس ، والفراسة اطّلاع بنور تنوير اللّه سبحانه على باطن أحوال الخلق ؛ كما قال صلّى اللّه عليه وآله : « اتّقوا فراسة المؤمن ، فإنّه ينظر بنور اللّه عزّ وجلّ » « 2 » . وقوله : ( من عرف الإلهام من الوسوسة ) ؛ أي ميّز بين خاطر الحقّ والشيطان ، ولمّة الملك والنفس ، صحّت له الفراسة ؛ لأنّها نتيجة الخاطر الصحيح ، وهذا كما قال : ( أوّل بدايات أهل المعرفة تحقيق خواطر القلوب ) . وإنّما ذكر الإلهام والوسوسة في قرن واحد ؛ لأنّهما يشتركان في قذف المعنى في القلب ، ويتميّزان بأنّ الإلهام قذف الحقّ من اللّه سبحانه في باطن القلب المسمّى فؤادا ، والوسوسة قذف الباطل من الشيطان في ظاهر القلب المسمّى صدرا ؛ كما قال سبحانه في وصفه : الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) [ الناس : الآية 5 ] . وكما أنّ الحق ثابت لثبات القاذف له سبحانه ، فالباطل زائل لزوال القاذف به ؛ لأنّ الوسواس خنّاس ، يخنس عن الذكر ، قال صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم : « إنّ الشيطان ليضع خرطومه على قلب بني آدم ، فإذا ذكر اللّه خنس » « 3 » . ولذلك جمع بين اللّمة والهاجس ؛ لاشتراكهما في جنس الحثّ على الشيء ، وافتراقهما بالنوع ؛ إذ الملك يحثّ على موافقة العلم ظاهرا وباطنا ، والنفس على مخالفته ، وهي أظهرت في الظاهر موافقته ، وأضمرت في الباطن مخالفته ؛ بطلب حظّ خفيّ ، وغرض دنيّ .
--> ( 1 ) انظر الهامش السابق . ( 2 ) رواه الترمذي في سننه ، باب ومن سورة الحجر ، حديث رقم ( 3127 ) [ 5 / 298 ] . ( 3 ) روى نحوه ابن أبي شيبة في مصنّفه عن عبد اللّه بن عباس ، حديث رقم ( 34774 ) [ 7 / 135 ] ؛ وأبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك ، حديث رقم ( 4301 ) [ 7 / 278 ] وروى نحوه غيرهما . ونصّه عند أبي يعلى هو : « قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم ، فإن ذكر اللّه خنس ، وإن نسي التقم قلبه ، فذلك الوسواس الخنّاس » » .