عين القضاة

15

شرح كلمات بابا طاهر العريان

والمعرفة علم خاصّ ، وهو العلم باللّه ربّا وبنفسه عبدا ، فمعنى قوله : ( العلم بالمعرفة معرفة ) ، أنّ العلم المسبّب عن المعرفة - لإفادته إثبات الربوبيّة والعبوديّة - هو عين المعرفة . وأمّا العلم المسبّب عن شهود الذات الواحدة فهو - لإفادته الذهول عن الكثرة ، والتمييز بين الربّ والعبد ، واقتضاء السرّ - عين الكفر . بيان المشاهدة والعلم قال : ( العلم حبس الظاهر ، والمشاهدة حبس الباطن ) . أقول : الحبس القيد ، مصدر أقيم مقام الصفة للمبالغة ، بمعنى الحابس ، أو مضاف إليه حذف مضافه ، وهو السبب . أي ، العلم سبب حبس الظاهر ؛ لتقيّد كلّ عضو بحكم شرعيّ ، كتقيّد العين بالنظر في مواقع العبر ، والغضّ عن المحارم ، وتقيّد اللّسان بالصدق والانخلاع عن الكذب . والمشاهدة سبب حبس الباطن ؛ لإفادتها تقييد البصيرة ، بتحديق النظر في مطالعة جمال المشهود والتعادي عن الزّيغ ، والالتفات إلى الغير . قال : ( جعل اللّه جميع الجوارح في حبس العلم ، فلا تطلق أنت جارحة من سجنها إلّا بعلم آخر ، فمن أطلقها من سجنها بغير علم فقد خرج من حبس العلم ، وعصى وتعدى ، والعلم قيد العبوديّة وحبس الحقّ ، فمن أطلقها بغير علم فقد خرج من العبودية ، واستعمل الحرّيّة ) . أقول : الفاء في ( فلا تطلق ) للسببيّة ، و ( لا ) لنهي الغائب المجهول ، والسجن - بالكسر - ما يسجن فيه ، و - بالفتح - المصدر ، فسجن الجوارح ما تحبس فيه ، من الأفعال والتروك مقيّدة بالعلم ؛ أي بسبب ما جعل اللّه الجوارح في حبس العلم ، لا يجوز إطلاق جارحة من قيدها العلمي إلّا بقيد آخر منه ، كإطلاق العين عن قيد حرمة النظر إلى جواز النظر بقيد النكاح ، فمن أطلقها بغير قيد علمي فقد عصى ربّه ، وتعدّى حدّه . وتقييد النفس بالعبوديّة بالعلم حقيقة العبوديّة ، فالعلم كما يقيّد الجوارح يقيّد العبوديّة أيضا ؛ إذ لا يتحقّق حكم العبوديّة إلّا به ، فإضافة القيد إلى