عين القضاة

16

شرح كلمات بابا طاهر العريان

العبوديّة إضافة المصدر إلى المفعول ، وإضافة الحبس إلى الحقّ إضافته إلى الفاعل ؛ أي العلم قيد الحقّ ، وحبس تقيّد به العبوديّة ، ويحبس فيه العبد ، فمن أطلق الجوارح عن قيد العلم بغير علم - كما ذكر - فقد خرج من العبوديّة المحمودة ، واستعمل الحرّية المذمومة . فإنّ الحريّة محمودة إذا كانت انطلاقا عن أثر عبوديّة الخلق ، ومذمومة إذا كانت انطلاقا عن قيد عبوديّة الحقّ . كما أنّ العبوديّة محمودة إذا كانت للّه سبحانه ، ومذمومة إذا كانت لغيره . قال : ( العلم موكّل بالكلام ، والوجد موكّل بالخرس ) . أقول : أي ، من عرف اللّه بدلالة العلم طال لسانه ؛ لأنه غائب ، ومن عرفه بالوجد كلّ لسانه ؛ لأنّه شاهد ، والشاهد يتحيّر في سطوع نور الذات ، فلا يقدر أن يتكلّم بشيء من أوصافها ، بخلاف الغائب ، ولهذا في الظاهر نظير سلطان عظيم القدر ، يقدر على وصفه بالغيبة دون الحضور . قال : ( العلم تطريق ، والوجد تغريق ، والحقيقة تحريق ) . أقول : التطريق تخلية الطريق عن المعترض ، مصدر أقيم مقام الفاعل ، وكذا التغريق ، والتحريق . جعل رتبة الوجد فوق العلم ودون الحقيقة ؛ لأنّ العلم دليل يخلي الطريق ، والوجد يعدّ الوصول إلى الحق ، والحقيقة تحقّق الوصول بفناء الواصل في الموصول ، ولذلك أسند إليها التحريق لأنّها مفنية كالنار . والوجد لا يفني ، ولكن يستر وجود الواجد في الموجود ، ولذلك أسند إليه التغريق ؛ إذ الواجد ينغمر وجوده في بحر الحال باقيا ، وقد يخرج منه سالما كالغريق . والحريق بنار الحقيقة فان ، لا يعود ما احترق منه سالما أبدا . قال : ( العلم تجريب ، والوجد تخريب ، والحقيقة تلهيب ) . أقول : التجريب الامتحان ، والمراد تهذيب الظاهر والباطن عن القبائح ، وتعمير هما بصوالح الأعمال ، ومحاسن الأخلاق ، وسببه العلم .