عين القضاة
102
شرح كلمات بابا طاهر العريان
ومعنى استخراج الصدق إظهاره بعلامة صادقة دالّة عليه ؛ كإظهار صدق الخليل في خلّته ، بإيثاره الحقّ على غيره من المال والابن ، حيث أخذ عنه ماله ، ويذكر أنّ جبرائيل عليه السّلام أمره بذبح إسماعيل عليه السّلام فأسلم لربّه ، حتى فدي ابنه بذبح عظيم ، فلمّا تبيّن له الأمر قال : إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) [ الصّافات : الآية 106 ] . وفيه أيضا إظهار صدق إسماعيل في حبّ ربّه ، بإيثاره الموت المأمور به من ربّه على حياته ، حيث أسلم لربّه فقال لأبيه : افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصّافات : الآية 102 ] ، ولذلك مدحه بكونه صادق الوعد . وإيثار الموت على الحياة لطلب رضا الحقّ هو أحسن العمل ، المذكور في قوله تعالى : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : الآية 2 ] ؛ إذ هو علاقة حبّ ؛ كما قال سبحانه : قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) [ الجمعة : الآية 6 ] . ومن علامات صدق المحبّة عدم الالتفات إلى زينة الدنيا حين تقبل ، وقيل في تفسير قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) [ الكهف : الآية 7 ] ، هم الزاهدون ، المعرضون عنها . ومعنى استنباط الشكر إظهاره بعلامته ؛ كإظهار شكر سليمان عليه السّلام بإحضار عرش بلقيس عنده قبل ارتداد طرفه إليه ، فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [ النمل : الآية 40 ] ، بسبب هذا الخرق للعادة ، إلى فضل المنعم ، لا عدله بمكافأة عمل منه يستوجبها . ومعنى إظهار العلم من المعلوم ، إفادة العلم من شهود المعلوم ؛ لأنّ من ابتلى نفسه ، ثمّ رزق الخلاص منه ، حصل له علم شهود بوقوعها ، وبالأسباب الموقعة لها ، والمخلّصة عنها ، وقد قيل : أعلم الناس بالآفات ، أكثرهم آفة . الثاني : بلوى الاستحقاق ، وهي طلب الحقّ ، والمراد بها تطهير الأولياء عن أدناس الطبيعة ، وأنجاس الهوى ، وأرجاس الشيطان ، فإنّ حقّ الولاية أن لا يرضى الولي لوليّه إلّا الطهارة ؛ كما قال سبحانه : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ الأحزاب : الآية 33 ] ، وهذه البلوى