عين القضاة
103
شرح كلمات بابا طاهر العريان
كلّها مكاره النفس ، من نقص الأموال ، والأنفس ، والثمرات ؛ كما قال سبحانه : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ [ البقرة : الآية 155 ] . بخلاف بلوى الاختبار ، فإنّها لا تختصّ بالمكاره ، بل تعمّ المكاره والمحاب كما قال تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأعراف : الآية 168 ] ، وقال سبحانه : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [ الأنبياء : الآية 35 ] ، وبلاء أيّوب عليه السّلام ، ومن يماثله ، من بلاء الاستحقاق . الثالث : بلوى العقوبة ، وتلك للخذلان ، والحرمان ، ونقص الإيمان ؛ كبلاء إبليس بالعصيان ؛ لخذلانه ، وحرمانه من الرحمة ، وبلاء بلعام « 1 » بالمخالفة والعصيان لنقص الإيمان ، وانسلاخه عن آيات الحقّ . الرابع : بلوى الرفعة ، وتلك لأن ينال العبد بها درجة فوق درجة ، ورفعة بعد رفعة ، كالبلاء الموكّل بالأنبياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، كابتلاء إبراهيم عليه السّلام بمحاجّة نمرود ، ومعاندة عبدة الأصنام ، ورميه إلى النار ، وغيرها من الكلمات اللّواتي نال بإتمامهنّ درجة الإمامة في قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : الآية 124 ] ، آتاه درجة الإمامة بعد إتمام بلائه . وكابتلاء داود عليه السّلام بمحاكمة الخصماء ، وغيرها ؛ لينال ما نال من درجة الخلافة في قوله تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ ص : الآية 26 ] ، وكابتلاء أيّوب وغيره من الأنبياء والأولياء عليهم السّلام . الخامس : بلوى التحقيق ، وتلك يتحقّق بها صدق المدّعين وكذبهم ؛ كابتلاء الحلّاج - رحمه اللّه - بالصلب ؛ ليتحقّق صدقه في دعواه ( أنا الحقّ ) ، حيث لم ينصره ، وبلاء المنافقين بإيجاب تقديم الصدقة ؛ لمناجاة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم
--> ( 1 ) بلعام بن باعوراء بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين يدعوهم إلى اللّه عزّ وجلّ ، وكان مجاب الدعوة يعلم اسم اللّه الأعظم ، نزل فيه قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [ الأعراف : الآية 175 ] . انظر قصته في كتاب الزهد لابن حنبل ، زهد محمد بن سيرين [ 1 / 321 ] ؛ وتفسير ابن كثير ، سورة المائدة [ 2 / 41 ] ؛ ووردت قصته في غيرهما .