ابن القيسراني
94
صفوة التصوف
باب جامع الآداب في كتاب الأطعمة 255 - أخبرنا إسماعيل بن محمد الحجاجي الشيخ الصالح ، بنيسابور ، قال : أنا أبو علي الحسين بن أحمد الأديب ، قال : أنا الأستاذ إبراهيم بن محمد بن أيوب الطوسي ، قال : أخبر أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن محمد ، قال : نا علي بن نصرويه ، قال : نا محمد بن شيبة الكناني ، عن محمد بن الحسن بن مكي بن إبراهيم ، عن عمر بن هارون ، ذكروا : أن عمر بن هارون خرج بأمه إلى مكة ، وهو غلام به يضرب المثل صباحة وملاحة ، فلما قدم مكة أخذ في الاختلاف إلى عبد الملك بن جريج وهو عالمها ، فلما بصر به ابن جريج سأل عنه ، فقيل : إنه خراساني . فدعاه وقال له : من معك يا فتى ؟ فقال : والدتي ، فقال : أيم هي أم ذات بعل ؟ قال : بل أيم ، قال : فهل لك أن تنكحنيها وتنتفع بما عندنا من العلم ؟ وكان عمر من أرغب الناس في العلم وأطلبهم له ، فقال : ما بها عنك رغبة . فخطبها إليه فزوجها منه ، وأقام بمكة عند ابن جريج سنين ، وبرعه ابن جريج في العلوم إلى أن رأى عمر أنه قد ظفر بما عند ابن جريج من فوائد العلم وأنواع الأدب ، فأخذ في أهبة الإفاضة من مكة إلى بلخ ، فلما رآه ابن جريج عازما على ذلك ، قال للغلام : أخرني يوما حتى أجمع بينك وبين أشراف مكة ، أؤكد بينك وبينهم المعرفة . فأجابه إلى ذلك وكان قد أخذ الكرى ، فأمر بالأطعمة فلون فيها ، وبالفرش ففرشت أنواع البسط ، ودعا أشراف أهل مكة ، فلما أخذوا مجلسهم أقام ابن جريج على رأس عمر غلاما بديعا خفيفا لبقا ، قد استحكم الأدب حتى أعجب أولو الألباب به ، وقال له : إذا رأيت من هذا الخراساني عيبا فأعلمه كي لا يعود إليه ثانيا . فقدم الوضوء إلى عمر فلما غسل يده ولمس المنديل ، إذ مس عارضه بيده اليمنى ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني في مسك عارضك بعد غسل يدك . فأمره بإعادة الغسل ، فلما وضعت المائدة وقدمت القصاع بدأ عمر بفت الخبز في المرقة ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني . فقال له : فيم ؟ قال : في هشمك الثريد قبل ذوقك ، فإنك لا تدري ما طعمه ، فلعلك تعافه فتكون قد أفسدته ، وإذا بدأت بذوقه ووافقك طعمه هشمت على علم منك بموافقته إياك . قال : صدقت . ثم ذوق فيه فلقة خبز ، يتحرى بذلك ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني . فقال : فيم ؟ قال : في مخالفتك حديث النبي صلى اللّه عليه