ابن القيسراني
95
صفوة التصوف
وسلم ، حين قال : " ابدأوا بالملح واختموا بالملح ، ثلاث لقم " . لم يقل ابدؤوا بالذوق . فقال له عمر : صدقت . فبدأ بالملح ، ثم عاد إلى الثريد فجعل يأكل ويمسح أصابعه بالمنديل في كل لقمة ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني . قال : فيم ؟ قال : مسحك الأصابع في كل لقمة بالمنديل ، وإنما المسح بعد آخر الطعام والمنديل الذي تلطخه من ديباج ، ولعق الأصابع مما ندب النبي صلى اللّه عليه وسلم إليه الناس ، فقال له عمر : صدقت . فلما قدم الأرز مزق عمر رقاقة يقي بها أصابعه حر الأرز ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني . قال : فيم ؟ قال : في رفعك اللقمة الحارة ، وربما تقي أصابعك حرها فتضعها في فيك حارة وأنت مغتر بالرقاقة فتحترق ، وتستحي من أصحابك أن تلفظها ، فتبتلعها فتحترق معدتك ولا تدري كيف تخلص منها ، فقال له عمر : صدقت . فخجل وأمسك ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني . فقال : فيم ؟ قال : في إمساكك الطعام قبل إمساك من على المائدة ، أو ما سمعت ما قالت العرب : لا تكن أول من يمسك عن الطعام ، فيستحي منك من لم يستوف فيمسك لإمساكك ، ولا تكونن آخر من يمسك عن الطعام ، فتنسب إلى النهم والرغاية ، قال : فجعل عمر يساعد من على المائدة إلى أن استوفوا وامتنعوا ، فلما رفعت المائدة وقرب إليه الوضوء بدأ بعمر فمد يده اليسرى لأخذ الحرض ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني . فقال : فيم ؟ فقال : في أخذك الشيء النقي بالشمال وقد نهي عنه . قال : فمد اليمنى باسطا إلى الخادم يصب عليه الحرض ، فقال : أخطأت يا خراساني . قال : فيم ؟ ولا يؤخذ الشيء بعد اليسرى إلا باليمنى ، قال الغلام : ولكن إذا صب الحرض على يمينك ، ثم ألقيته على يسارك تكون عملت عملا واحدا مرتين ، ولكن خذ المحرضة باليمنى وصب الحرض بها على اليسار ثم رد المحرضة ، وقد أخذت الشيء النقي باليمين ولم يجد العائب عليك عيبا . قال : صدقت . وأخذ الماء فرحض كفيه ظاهرهما وباطنهما ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني . فقال : فيم ؟ قال الغلام : في تحريضك ظاهر كفيك بالحرض . قال عمر : وأي بأس بذلك ؟ قال : في ذلك خصلتان ذميمتان ، قال عمر : وما هما ؟ قال الغلام : أما الخصلة الأولى فيدل على أنك غمست يديك في المرقة ، وذلك من وجهين ذميمين : إما سوء الأدب وإما الشره والنهم ، وأما الخصلة الثانية فيدل على أنه يريد بذلك إزالة وسخ عليها ، فكل ذلك بعضه أقبح من بعض . قال : فقال عمر : ابن كم أنت ؟ قال : ابن أب واحد . فقال عمر : إنما عنيت سنك . فقال له : فقل : ابن كم سنة أنت ؟ فقال : ابن ثمان حجج . فقال له : أحية أمك ؟ فقال الغلام : ما هي بحية