ابن القيسراني

27

صفوة التصوف

يخلو من عيب ، كبر ذلك أم صغر ، فمن نور اللّه بصيرته زجرته عن عيوب الناس ، ومن أعمى اللّه بصيرته أنساه عيب نفسه ، وسلطه على الصالحين من عباده ليؤذيهم ، وقد أخبر صلى اللّه عليه وسلم ، أن مثل هذا يكون ، في الحديث الذي أخبرناه أبو عمرو عثمان بن محمد بن عبيد اللّه المزكي ، قال : أنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى العدل ، قال : أنا أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن الشرقي ، قال : نا أبو معين ، نا عبد الرحمن بن عبد الملك الحزامي ، نا أبو قتادة بن يعقوب بن عبد اللّه بن ثعلبة بن صغير ، عن ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " لو كان المؤمن في جحر لقيض اللّه له فيه من يؤذيه " . 28 - واعلم يا أخي أن هذا الإنكار الذي تراه اليوم على هذه الطائفة ليس بمبتدع منهم ، فإن لهم فيه سلفا تقدمهم فيه ؛ كما أخبرناه أبو طالب سعيد بن منصور بن الحسين الأصبهاني ، بها ، قال : أنا علي بن محمد بن أحمد الفقيه ، قال : نا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حكيم ، قال : نا أبو أمية محمد بن إبراهيم ، بطرسوس ، سنة اثنتين وسبعين ومائتين ، قال : نا أحمد بن المفضل الحفري ، نا أسباط بن نصر ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، عن أبي الكنود ، عن خباب : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] . قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدا النبي صلى اللّه عليه وسلم مع بلال وعمار وصهيب وخباب بن الأرت ، في ناس من الضعفاء من المؤمنين ، فلما رأوهم حوله حقروهم ، فأتوه فخلوا به ، فقالوا : " إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا ، تعرف العرب لنا به فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا قعودا مع هذه الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت ، قال : نعم " . قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا . فدعا بالصحيفة ليكتب لهم ودعا عليا ليكتب ، فلما أن أراد ذلك ، ونحن قعود إلى ناحية ، فنزل جبريل عليه السلام ، فقال : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ إلى قوله : فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنعام : 52 ] . ثم ذكر الأقرع وصاحبه ، فقال : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا الآية [ الأنعام : 53 ] ، ثم ذكر ، فقال : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] . فرمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالصحيفة ، ودعانا فأتيناه وهو يقول : " سلام عليكم " .