الغزالي

66

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 1 » يعني تتلون كتاب اللّه ، ولا تعملون بما فيه . فكانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون . فيجب على المؤمنين أن يأمروا بالمعروف ، وينهوا عن المنكر ، ولا ينسوا أنفسهم ، كما قال اللّه تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ « 2 » فقد نعت المؤمنين بأنّهم يأمرون بالمعروف . فالذي هجر الأمر بالمعروف خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية . وقد ذم اللّه أقواما بترك الأمر بالمعروف فقال : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ يعني لا ينهى بعضهم بعضا لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ « 3 » . روي عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه أنه قال : لتأمرنّ بالمعروف ، ولتنهونّ عن المنكر ، أو ليسلّطنّ اللّه عليكم سلطانا ظالما لا يجلّ كبيركم . ولا يرحم صغيركم ، ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم ، ويستنصرون فلا ينصرون ، ويستغفرون فلا يغفر لهم . وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « عذّب اللّه أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا ، عملهم عمل الأنبياء » . قالوا : يا رسول اللّه كيف ؟ قال : « لم يكونوا يغضبون للّه ، ولا يأمرون بالمعروف ، ولا ينهون عن المنكر » . وقال أبو ذرّ الغفاري : قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه ! هل من جهاد غير قتال المشركين ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « نعم يا أبا بكر ، إن للّه مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء ، أحياء مرزوقين ، يمشون على الأرض ، يباهي اللّه بهم ملائكة السماء ، وتزيّن لهم الجنة كما تزّينت أمّ سلمة لرسول اللّه » . فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه ! ومن هم ؟ قال : « الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر ، والمحبّون في اللّه ، والمبغضون في اللّه » ثم قال : « والذي نفسي بيده إنّ العبد ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء ، لكلّ غرفة منها ثلاثمئة باب ، منها الياقوت والزّمرّد

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 44 . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 71 . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية : 79 .