الغزالي
58
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
إلزام ، ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها . وقال القفّال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل ، أي أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلّد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب ، أي أن التكليف أمر عظيم ، حقّه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال ، وقد كلّفه الإنسان ، كما قال تعالى : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ « 1 » أي : التزم بحقّها آدم بعد عرضها عليه في عالم الذّرّ عند خروج ذرّيته من ظهره ، وأخذ الميثاق عليهم إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 2 » أي وهو في ذلك الحمل ظلوم لنفسه ، جهول بقدر ما دخل فيه ، أو جهول بأمر ربّه . وعن ابن عباس قال : عرضت الأمانة على آدم فقيل : خذها بما فيها ، فإن أطعت غفرت لك ، وإن عصيت عذبتك . قال : قبلتها بما فيها . فما كان إلا ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أكل من الشجرة ، لولا أن تداركه اللّه برحمته فتاب عليه وهدى . والأمانة مشتقّة من الإيمان ، فمن حفظ أمانة اللّه حفظ اللّه إيمانه . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له » . قال الشاعر : تبّا لمن رضي الخيانة مهيعا « 3 » * وازورّ « 4 » عن صون الأمانة جانبه رفض الديانة والمروءة فاغتدى * تترى عليه من الزمان مصائبه وقال آخر : اخلق بمن رضي الخيانة شيمة * أن لا يرى إلا صريع حوادث ما زالت الأرزاء ينزل بؤسها * أبدا بغادر ذمّة أو ناكث وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يطبع المؤمن على كلّ خلق ليس الخيانة والكذب » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تزال أمّتي بخير ما لم تر الأمانة مغنما ، والصدقة مغرما » .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية : 72 . ( 2 ) سورة الأحزاب ، الآية : 72 . ( 3 ) مهيعا : طريقا ومسلكا . ( 4 ) أزورّ : ابتعد ومال .