الغزالي

59

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « آية « 1 » المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » . أي إذا ائتمنه أحد بكلمة خانه فإفشائها للناس ، أو بوديعة خانه بإنكارها وعدم حفظها واستعمالها بغير إذنه . فحفظ الأمانة صفة الملائكة المقرّبين ، والأنبياء والمرسلين ، وشيمة الأبرار المتقين . قال اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها « 2 » قال المفسّرون : هذه الآية مشتملة على كثير من أمّهات الشرع ، والمخاطب بها عموم المكلّفين الولاة وغيرهم . فيجب على الولاة إنصاف المظلوم ، وإظهار حقّه وذلك أمانة ، وحفظ أموال المسلمين لا سيما اليتامى ، ويجب على العلماء تعليم العوام أحكام دينهم فهي أمانة اختير لحفظها العلماء . ويجب على الوالد رعاية ولده بحسن التأديب إذ هو أمانة عنده . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته » . وفي ( زهر الرياض ) : يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف بين يدي اللّه تعالى فيقول اللّه تعالى : أرددت أمانة فلان ؟ فيقول : لا يا ربّ . فيأمر اللّه تعالى ملكا فيأخذ بيده وينطلق به إلى جهنم ، ويريه الأمانة بعينها في قعر « 3 » جهنم ، فيهوي فيها سبعين عاما حتى ينتهي إلى قعرها ، ثم يصعد بالأمانة ، فإذا بلغ أعلى جهنم زلّت قدمه فيهوي فيها كذلك ، ثم يصعد ثم يهبط ، وهكذا حتى يدركه لطف ربّه بشفاعة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم فيرضى عنه صاحب الأمانة . وروي عن سلمة قال : بينما نحن جلوس عند النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذ أتي بجنازة ليصلّي

--> ( 1 ) آية : علامة . ( 2 ) سورة النساء ، الآية : 58 . ( 3 ) قعر : أسفل وعمق .