الغزالي
49
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فالعين بالعبرة ، والقلب بالفكرة ، واللسان بالصدق ، والتسبيح والذكر . كما قال اللّه تعالى : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا « 1 » . يعني غدوا وعشيا . حكي : أن عبد اللّه وأحمد بن حرب حضرا موضعا ، فقطع أحمد بن حرب قطعة من حشيش الأرض ، فقال له عبد اللّه : حصل عليك خمسة أشياء : شغل قلبك به عن تسبيح مولاك ، وعوّدت نفسك الاشتغال بغير ذكر اللّه تعالى ، وجعلت ذلك طريقا يقتدى بك فيه ، ومنعته عن تسبيح ربه ، وألزمت نفسك حجة اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة . كذا في ( رونق المجالس ) . وعن السّري رضي اللّه عنه قال : رأيت مع الجرجاني سويقا يستفّ منه ، فقلت : لماذا لا تأكل طعاما غيره ؟ قال : إني حسبت ما بين المضغ والاستفاف تسعين تسبيحة ، فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة . وكان سهل بن عبد اللّه يأكل في كل خمسة عشر يوما ، فإذا دخل رمضان لم يأكل إلا أكلة واحدة ، ويصبر في بعض الأوقات عن الطعام سبعين يوما . وكان إذا أكل ضعف ، وإذا جاع قوي . وجاور أبو حماد الأسود في المسجد الحرام ثلاثين سنة ، وما رئي أنه أكل أو شرب ، ولا يخلو ساعة من ذكر اللّه . وحكي : أن عمرو بن عبيد كان لا يخرج من منزله إلا لثلاث : للصلاة مع الجماعة ، ولعيادة المريض ، ولحضور الجنازة ، ويقول : رأيت الناس سرّاقا وقطّاعا للطريق . العمر جوهر نفيس لا قيمة له ، فينبغي أن تملأ منه خزانة باقية في الآخرة ، واعلموا بأن طالب الآخرة لا بدّ له من الزهد في الحياة الدنيا ليصير همّه همّا واحدا ، ولا يفترق باطنه من ظاهره ، ولا يمكن حفظ الحال إلا بضبط الظاهر والباطن . وقال الشبلي رحمه اللّه : وكنت أول بدايتي إذا غلبني النوم اكتحلت بالملح ، فإذا زاد عليّ الأمر أحمي الميل فأكتحل به .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآيتان : 41 ، 42 .