الغزالي
50
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وحكي : عن إبراهيم بن الحاكم أنه قال : كان أبي إذا جاءه النوم دخل البحر فيسبح ، فتجتمع إليه حيتان البحر يسبحون معه . وحكي : أن وهب بن منبّه دعا اللّه أن يرفع عنه النوم بالليل ، فذهب عنه النوم أربعين سنة . وكان حسن الحلاج قيّد نفسه من كعبه إلى ركبته بثلاثة عشر قيدا ، وكان يصلي مع ذلك كل يوم وليلة ألف ركعة . وكان الجنيد يأتي إلى السوق في بداية أمره ، فيفتح حانوته ، فيدخله ويسبل الستر فيصلي أربعمئة ركعة ، ثم يرجع إلى بيته . وصلّى حبشي بن داود صلاة الغداة أربعين سنة على طهر العشاء . فينبغي للمؤمن أن يكون دائما على الطهارة ، وكلما أحدث يتطهر ويصلي ركعتين ، ويجتهد أن يستقبل القبلة في كل مجلسه ويصوّر في نفسه أنه جالس بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على قدر الحضور والمراقبة ، حتى يلازم السكينة والوقار في الفعل ، ويحتمل الأذى ، ولا يقابل المسئ ، ويستغفر لكل مسيء ، ولا يعجب بنفسه ولا بعمله ، فإن العجب من صفة الشيطان ، وينظر إلى نفسه بعين الحقارة ، ويرى الصالحين بعين الاحترام والتعظيم ، فمن لم يعرف حرمة الصالحين حرمه اللّه تعالى صحبتهم ، ومن لم يعرف حرمة الطاعة نزع من قلبه حلاوتها . سئل الفضيل بن عياض فقيل له : يا أبا علي ، متى يكون الرجل صالحا ؟ قال : إذا كانت النصيحة في نيته ، والخوف في قلبه ، والصدق في لسانه ، والعمل الصالح في جوارحه . قال اللّه تعالى في معراج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يا أحمد إن أحببت أن تكون أورع الناس فازهد في الدنيا وارغب في الآخرة . فقال : إلهي كيف أزهد في الدنيا ؟ فقال : خذ من الدنيا بقدر الطعام والشراب واللباس ، ولا تدّخر لغد ، ودم على ذكري . فقال : يا رب كيف أدوم على ذكرك ؟ فقال : بالخلوة عن الناس ، واجعل نومك الصلاة ، وطعامك الجوع .