الغزالي
486
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
الصلاة الصلاة » كان يوصي بها حتى مات ، وهو يقول : « الصلاة الصلاة » . قالت عائشة رضي اللّه عنها : مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين ارتفاع الضحى وانتصاف النهار ، يوم الاثنين . قالت فاطمة رضي اللّه عنها : ما لقيت من يوم الاثنين ، واللّه لا تزال الأمّة تصاب فيه بعظيمة . وقالت أم كلثوم يوم أصيب عليّ كرّم اللّه وجهه بالكوفة مثلها : ما لقيت من يوم الاثنين ، مات فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه قتل عليّ ، وفيه قتل أبي ، فما لقيت من يوم الاثنين . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : لما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اقتحم الناس حتى ارتفعت الرنّة ، وسجّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الملائكة بثوبي ، واختلفوا فكذب بعضهم بموته ، وأخرس بعضهم ، فما تكلم إلا بعد البعد ، وخلّط آخرون فلاثوا « 1 » الكلام بغير بيان ، وبقي آخرون معهم عقولهم ، وأقعد آخرون . فكان عمر بن الخطاب فيمن كذب بموته ، وعليّ فيمن أقعد ، وعثمان فيمن أخرس ، ولم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر والعباس ، فإن اللّه عز وجل أيّدهما بالتوفيق والسداد ، وإن كان الناس لم يرعووا إلا بقول أبي بكر ، حتى جاء العباس فقال : واللّه الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الموت ، ولقد قال وهو بين أظهركم : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ « 2 » . وبلغ أبا بكر الخبر وهو في بني الحارث بن الخزرج ، فجاء ودخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنظر إليه ثم أكب عليه فقبّله ، ثم قال : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، ما كان اللّه ليذيقك الموت مرتين ، فقد واللّه توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم خرج إلى الناس فقال : أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت . قال اللّه تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ
--> ( 1 ) فلاثوا : أي خلطوا . ( 2 ) سورة الزمر ، الآيتان : 30 ، 31 .