الغزالي
487
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ « 1 » الآية . فكأنّ الناس لم يسمعوا هذه الآية إلا يومئذ . وفي رواية : أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما بلغه الخبر ، دخل بيت رسول اللّه وهو يصلي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعيناه تهملان وغصصه ترتفع كقصع الجرة ، وهو في ذلك جلد الفعل والمقال ، فأكب عليه فكشف عن وجهه ، وقبّل جبينه وخديه ، ومسح وجهه ، وجعل يبكي ويقول : بأبي أنت وأمي ، ونفسي وأهلي ، طبت حيا وميتا ، انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء ، فعظمت عن الصّفة ، وجللت عن البكاء ، وخصصت حتى صرت مسلاة ، وعممت حتى صرنا فيك سواء ، ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لحزنك بالنفوس ، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء العيون ، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وادّكار ، محالفان لا يبرحان ، اللهم فأبلغه عنا . أذكرنا يا محمد صلى اللّه عليك عند ربك ، ولنكن من بالك ، فلولا ما خلّفت من السكينة ، لم يقم أحد لما خلّفت من الوحشة . اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا ، وليكن هذا آخر ما أقدرنا اللّه عليه ، وجذب قلوبنا إليه ، ليكون لنا برسول اللّه أسوة حسنة ، ونرجو من اللّه أن يبدل السيئة بالحسنة ، وأن يلحقنا بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم على الإيمان ، إنه أكرم مسؤول ، وأعز مأمول ، والحمد للّه رب العالمين . تم الكتاب بعون اللّه تعالى
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 144 .