الغزالي
473
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
بين أيدينا ، فصرنا نلهو ونغفل ، ونشتغل بما لا يعنينا . فنسأل اللّه تعالى اليقظة من هذه الغفلة ، فإنّ أحسن أحوال الحاضرين على الجنائز بكاؤهم على الميت ، ولو عقلوا لبكوا على أنفسهم لا على الميت . نظر إبراهيم الزيّات إلى أناس يترحّمون على الميت ، فقال : لو ترحّمون على أنفسكم لكان خيرا لكم ، إنه نجا من ثلاثة : وجه ملك الموت وقد رأى ، ومرارة الموت وقد ذاق ، وخوف الخاتمة وقد أمن . وقال أبو عمرو بن العلاء : جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه شعرا ، فأطلعت جنازة ، وأنشأ يقول : تروّعنا « 1 » الجنائز مقبلات * ونلهو حين تذهب مدبرات كروعة ثلّة « 2 » لمغار ذئب * فلما غاب عادت راتعات فمن آداب حضور الجنائز : التّفكر والتنبّه ، والاستعداد ، والمشي أمامها على هيئة التواضع ، كما ذكرت آدابه وسننه في فن الفقه ، ومن آدابه حسن الظنّ بالميت ، وإن كان فاسقا ، وإساءة الظنّ بالنفس وإن كان ظاهرها الصلاح ، فإن الخاتمة خطرة لا تدرى حقيقتها . ولذلك روي عن عمر بن ذرّ أنه مات واحد من جيرانه . وكان مسرفا على نفسه ، فتجافى « 3 » كثير من الناس عن جنازته ، فحضرها هو ، وصلّى عليها ، فلما دلّي في قبره وقف على قبره وقال : يرحمك اللّه يا أبا فلان ، فلقد صحبت عمرك بالتوحيد ، وعفّرت وجهك بالسجود ، وإن قالوا مذنب وذو خطايا ، فمن منا غير مذنب ، وغير ذي خطايا . ويحكى : أن رجلا من المنهمكين في الفساد ، مات في بعض نواحي البصرة ، فلم تجد امرأته من يعينها على حمل جنازته ، إذ لم يدر بها أحد من جيرانه لكثرة فسقه ، فاستأجرت حمّالين وحملتها إلى المصلّى ، فما صلّى عليه أحد . فحملتها إلى الصحراء للدفن ، فكان على جبل قريب من الموضع زاهد من الزّهاد الكبار ، فرأته كالمنتظر
--> ( 1 ) تروّعنا : تفزعنا . ( 2 ) ثلّة : جماعة . ( 3 ) فتجافى : ابتعد .