الغزالي
474
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
للجنازة ، ثم قصد أن يصلي عليها ، فانتشر الخبر في البلد بأن الزاهد نزل ليصلي على فلان ، فخرج أهل البلد فصلى الزاهد وصلوا عليه ، وتعجّب الناس من صلاة الزاهد عليه . فقال : قيل لي في المنام : إنزل إلى موضع كذا ، ترى جنازة ليس معها أحد ، إلا امرأة فصلّ عليه فإنه مغفور له . فزاد تعجب الناس ، فاستدعى الزاهد امرأته وسألها عن حاله ، وأنه كيف كانت سيرته ؟ قالت : كما عرف ، كان طول نهاره في الماخور ، مشغولا بشرب الخمر . فقال : أنظري هل تعرفين منه شيئا عن أعمال الخير ؟ قالت : نعم ثلاثة أشياء : كان إذا أفاق من سكره وقت الصبح ، يبدّل ثيابه ويتوضّأ ، ويصلي الصبح في جماعة ، ثم يعود إلى الماخور ، ويشتغل بالفسق . والثاني : أنه كان أبدا لا يخلو بيته من يتيم أو يتيمين ، وكان إحسانه إليهم أكثر من إحسانه إلى أولاده ، وكان شديد التفقد لهم . والثالث : أنه كان يفيق في أثناء سكره في ظلام الليل فيبكي ويقول : يا ربّ أيّ زاوية من زوايا جهنم تريد أن تملأها بهذا الخبيث ؟ يعني نفسه ، فانصرف الزاهد وقد ارتفع إشكاله من أمره . قال الضحاك : قال رجل : يا رسول اللّه من أزهد الناس ؟ قال « من لم ينس القبر والبلى ، وترك فضل زينة الدنيا ، وآثر ما يبقى على ما يفنى ، ولم يعدّ غدا من أيامه ، وعد نفسه من أهل القبور » . وقيل لعليّ كرّم اللّه وجهه : ما شأنك جاورت المقبرة ؟ قال : إني أجدهم خير جيران ، إني أجدهم جيران صدق يكفّون الألسنة ، ويذكّرون الآخرة . وكان عثمان بن عفان رضي اللّه عنه إذا وقف على قبر بكى ، حتى يبلّ لحيته فسئل عن ذلك وقيل له : تذكر الجنّة والنار فلا تبكي ، وتبكي إذا وقفت على قبر ؟ فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن القبر أول منازل الآخرة ، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ منه » . وقيل : إن عمرو بن العاص نظر إلى المقبرة فنزل وصلّى ركعتين فقيل له : هذا شيء لم تكن تصنعه . فقال : ذكرت أهل القبور ، ما حيل بينهم وبينه ، فأحببت أن أتقرّب