الغزالي
45
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فأوحى اللّه تعالى إلى عيسى : كيف يسمع كلام الآدميين من كان في قلبه مقدار نصف ذرة من محبتي ؟ فو عزّتي وجلالي لو قطعته بالمنشار لما علم بذلك . من ادّعى ثلاثة ولم يتطهر من ثلاثة فهو مغرور : أولها : من ادّعى حلاوة ذكر اللّه ، وهو يحب الدنيا . وثانيها : من ادّعى محبّة الإخلاص في العمل ، ويحب تعظيم الناس له ، وثالثها : من ادّعى محبّة خالقه من غير إسقاط نفسه . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سيأتي زمان على أمتي يحبون خمسا وينسون خمسا : يحبون الدنيا ، وينسون الآخرة ، ويحبون المال ، وينسون الحساب ، ويحبون الخلق ، وينسون الخالق ، ويحبون الذنوب ، وينسون التوبة ، ويحبون القصور ، وينسون المقبرة » . وقال منصور بن عمار لشاب يعظه : يا شاب ! لا يغررك شبابك ، فكم من شاب أخّر التوبة وأطال الأمل ولم يذكر موته ، فقال : إني أتوب غدا أو بعد غد ، فجاءه ملك الموت وهو غافل عن التوبة ، فصار في جوف القبر لا ينفعه مال ولا عبد ، ولا ولد ولا أب ولا أم . كما قال اللّه تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ « 1 » . اللهم ارزقنا التوبة قبل الموت ، ونبّهنا عند الغفلة ، وانفعنا بشفاعة نبينا خير المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم . صفة المؤمن أن يتوب من يومه وساعته ، ويندم على ما فعل من ذنوبه ، ويرضى بالقوت من الدنيا ، ولا يشتغل بالدنيا بل يشتغل بعمل الآخرة ، ويعبد اللّه تعالى بالإخلاص . حكاية : كان رجل بخيل منافق حلف على زوجته بالطلاق أن لا تتصدق صدقة . فجاء سائل على باب داره وقال : يا أهل الدار بحق اللّه إلا أعطيتموني شيئا . فأعطته المرأة ثلاثة أرغفة ، فاستقبله المنافق وقال : من أعطاك هذه الأرغفة ؟ قال : أعطوني من الدار الفلانية . فكانت داره ، فدخل المنافق داره وقال لامرأته : ألست قد حلفت عليك أن لا تعطي أحدا شيئا ؟ فقالت : أعطيت لأجل اللّه عزّ وجلّ . فذهب المنافق وأوقد التنور حتى حمي ثم قال : قومي فألقي نفسك في التنور لأجل اللّه ، فقامت المرأة وأخذت
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، الآيتان : 88 ، 89 .