الغزالي

46

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

حليّها ، فقال المنافق : دعي الحليّ ، فقالت المرأة : الحبيب يتزين لحبيبه وأنا زائرة لحبيبي ، ثم ألقت نفسها في التنور . فأطبق المنافق عليها ومضى . فلما تم لها ثلاثة أيام ، جاء المنافق ففتح عليها رأس التنور ، فرأى المرأة سالمة بقدرة اللّه تعالى ، فتعجب الرجل من تلك الحال فهتف به هاتف يقول : أما علمت أن النار لا تحرق أحبابنا ؟ وحكي : أن آسية امرأة فرعون كانت تكتم إيمانها من فرعون ، فلما اطّلع فرعون على إيمانها أمر بها أن تعذب ، فعذبوها بأنواع العذاب وقال : ارتدّي . فلم ترتدّ ، فأتى بأوتاد وضربوها على أعضائها ثم قال : ارتدّي . فقالت : إنك تغلب نفسي ، وقلبي في عصمة ربي ، لو قطعتني إربا ما ازددت إلا حبّا . فمرّ موسى عليه السلام بين يديها فنادت : موسى أخبرني أراض عنّي ربّي أم ساخط ؟ قال موسى عليه السلام : يا آسية ملائكة السماوات في انتظارك - أي : مشتاقة إليك - واللّه يباهي بك ، فاسأليني حاجتك فإنها مقضية . فقالت : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 1 » . وعن سلمان رضي اللّه عنه قال : كانت امرأة فرعون تعذّب بالشمس ، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وكانت ترى بيتها في الجنة . وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد . وأضجعها وجعل على صدرها رحى ، واستقبل بها عين الشمس . فرفعت رأسها إلى السماء فقالت : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ قال الحسن : فنجّاها اللّه أكرم نجاة ، ورفعها إلى الجنة ، فهي تأكل وتشرب . وفيه دليل على أن الاستعاذة باللّه والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين وبدن المؤمنين .

--> ( 1 ) سورة التحريم ، الآية : 11 .