الغزالي
44
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
لطلب الكفن ، فاشتريت الكفن ورجعت إليه فلم أجده في مكانه ، فقلت : سبحان اللّه ! فسمعت هاتفا يقول : يا ذا النون إن هذا الغريب طلبه الشيطان في الدنيا فما وجده ، وطلبه مالك فلم يره ، وطلبه رضوان في الجنة فما وجده . قلت : فأين هو ؟ قال : فسمعت هاتفا يقول : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ « 1 » بسبب محبته وكثرة طاعته وتعجيل توبته . كذا في ( زهر الرياض ) . وسئل بعض المشايخ عن المحب فقال : قليل الخلطة ، كثير الخلوة ، دائم الفكرة ، ظاهر الصمت ، لا يبصر إذا نظر ، ولا يسمع إذا نودي ، ولا يفهم إذا كلّم ، ولا يحزن إذا أصيب بمصيبة ، وإذا أصيب بجوع فلا يدري ، ويعرى ولا يشعر ، ويشتم ولا يخشى ، ينظر إلى اللّه تعالى في خلوته ، ويأنس به ، ويناجيه ، ولا ينازع أهل الدنيا في دنياهم . وقد قال أبو تراب النخشبي في علامات المحبة أبياتا : لا تخدعنّ فللحبيب دلائل * ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمّه بمرّ بلائه * وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة * والفقر إكرام وبر عاجل ومن الدلائل أن ترى من عزمه * طوع الحبيب وإن ألحّ العاذل ومن الدلائل أن يرى متبسما * والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهما * لكلام من يحظى لديه السائل ومن الدلائل أن يرى متقشفا * متحفظا من كل ما هو قائل حكاية : مر عيسى عليه السلام بشاب يسقي بستانا ، فقال الشاب لعيسى : سل ربّك أن يرزقني من محبته مثقال ذرة . فقال عيسى : لا تطيق مقدار ذرة . فقال : نصف ذرة . فقال عيسى عليه السلام : يا رب ارزقه نصف ذرة من محبتك . فمضى عيسى عليه السلام ، فلما كان بعد مدة طويلة مرّ بمحل ذلك الشاب ، فسأل عنه فقالوا : جنّ وذهب إلى الجبال . فدعا اللّه عيسى عليه السلام أن يريه إياه . فرآه بين الجبال ، فوجده قائما على صخرة شاخصا طرفه إلى السماء ، فسلّم عليه عيسى عليه السلام ، فلم يرد عليه ، فقال : أنا عيسى .
--> ( 1 ) سورة القمر ، الآية : 55 .