الغزالي

43

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وحكي : عن منصور الحلاج رحمه اللّه تعالى : أنهم حبسوه ثمانية عشر يوما ، فجاءه الشبلي رضي اللّه عنه فقال : يا منصور ! ما المحبة ؟ فقال : لا تسألني اليوم واسألني غدا . فلما جاء الغد وأخرجوه من السجن ونصبوا النطع لأجل قتله ، مرّ الشبلي بين يديه فنادى : يا شبلي ! المحبة أولها حرق وآخرها قتل . إشارة : لما تحقق للحلاج رضي اللّه عنه في نظره أن كلّ شيء ما خلا اللّه باطل ، وعلم أن اللّه هو الحق نسي عند تحقيق اسم الحق اسم نفسه ، فسئل : من أنت ؟ قال : أنا الحق . روي أن صدق المحبة في ثلاث خصال : أن يختار كلام حبيبه على كلام غيره ، ويختار مجالسة حبيبه على مجالسة غيره ، ويختار رضا حبيبه على رضا غيره . كذا في ( المنتهى ) . وقيل : العشق : هتك الأستار وكشف الأسرار ، والوجد ، عجز الروح عن احتمال غلبة الشوق عند وجود حلاوة الذكر ، حتى لو قطع عضو من أعضائه لا يحس ولا يشعر . وحكي : أنّ رجلا كان يغتسل في الفرات فسمع رجلا يقرأ وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ « 1 » فلم يزل يضطرب حتى غرق ومات . وعن محمد بن عبد اللّه البغدادي قال : رأيت في البصرة شابا على سطح مرتفع قد أشرف على الناس ، وهو يقول : من مات عاشقا فليمت هكذا ، لا خير في عشق بلا موت . ثم رمى بنفسه فحمل ميتا . قال الجنيد رحمه اللّه تعالى : التصوّف ترك الاختيار . وحكي : أن ذا النون المصري رحمه اللّه دخل المسجد الحرام فرأى شابا عريانا مطروحا مريضا تحت أسطوانة ، وله أنين من قلب حزين . قال : فدنوت منه وسلّمت عليه وقلت له : من أنت يا غلام ؟ قال : أنا غريب عاشق . فعلمت ما يقول . قلت : وأنا مثلك ، فبكى وبكيت أنا ببكائه . قال : أتبكي أنت ؟ فقلت : أنا مثلك . فبكى بأعلى صوته وصاح صيحة عظيمة عالية فخرجت روحه من ساعته ، فطرحت عليه ثوبي وخرجت من عنده

--> ( 1 ) سورة يس ، الآية : 59 .