الغزالي
407
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال أسامة بن زيد : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يؤتى بالعالم يوم القيامة ، فيلقى في النار فتندلق « 1 » أقتابه « 2 » فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحى ، فيطيف به أهل النار . فيقولون : ما لك ؟ فيقول : كنت آمر بالخير ولا آتيه ، وأنهي عن الشر وآتيه » وإنما يضاعف عذاب العالم في معصيته ، لأنه عصى عن علم . ولذلك قال اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ « 3 » لأنهم جحدوا بعد العلم ، وجعل اليهود شرا من النصارى ، مع أنهم ما جعلوا للّه سبحانه ولدا ، ولا قالوا : إنه ثالث ثلاثة ، إلا أنهم أنكروا بعد المعرفة ، إذ قال اللّه تعالى : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ « 4 » . وقال تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ « 5 » . وقال تعالى في قصة بلعام بن باعوراء : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ حتى قال : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ « 6 » فكذلك العالم الفاجر ، فإن « بلعام » أوتي كتاب اللّه تعالى ، فأخلد إلى الشهوات ، فشبّه بالكلب . أي سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت . فهو يلهث إلى الشهوات . وقال عيسى عليه السلام : مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على فم النهر ، لا هي تشرب الماء ، ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع .
--> ( 1 ) افتندلق : تخرج . ( 2 ) أقتابه : إمعاؤه . ( 3 ) سورة النساء ، الآية : 145 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 146 . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 89 . ( 6 ) سورة الأعراف ، الآيتان : 175 ، 176 .