الغزالي

394

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقالت رابعة العدوية يوما : من يدلّنا على حبيبنا ؟ فقالت خادمة لها : حبيبنا معنا ولكن الدنيا قطعتنا عنه . وقال ابن الجلّاء رحمه اللّه : أوحى اللّه إلى عيسى عليه السلام إني إذا أطّلعت على سرّ عبد ، ولم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي ، وتوليته بحفظي . وقيل : تكلم سمنون يوما في المحبة . فإذا بطائر نزل بين يديه فلم يزل ينقر بمنقاره الأرض ، حتى سال الدّم منه فمات . وقال إبراهيم بن أدهم : إلهي إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة ، في جنب ما أكرمتني من محبتك ، وآنستني بذكرك ، وفرّغتني للتفكّر في عظمتك . وقال السّري رحمه اللّه : من أحب اللّه عاش ، ومن مال إلى الدنيا طاش ، والأحمق يغدو ويروح في لاش ، والعاقل عن عيوبه فتّاش . وأما محاسبة النفس فقد أمر اللّه بها بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ « 1 » . وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال . ولذلك قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا . وفي الخبر : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم جاءه رجل فقال : يا رسول اللّه أوصني . فقال : « أمستوص أنت ؟ » فقال : نعم . قال : « إذا هممت بأمر فتدبّر عاقبته ، فإن كان رشدا فأمضه ، وإن كان غيا فانته عنه » . وفي الخبر : « وينبغي للعاقل أن يكون له أربع ساعات : ساعة يحاسب فيها نفسه » . وقال تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 2 » . والتوبة نظر في الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لأستغفر اللّه تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرّة » .

--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 18 . ( 2 ) سورة النور ، الآية : 31 .