الغزالي

390

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

79 - باب : في بيان عداوة الشيطان قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « في القلب لمّتان : لمّة « 1 » من الملك ، إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه سبحانه ، وليحمد اللّه . ولمة من العدو : إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير . فمن وجد ذلك فليستعذ باللّه من الشيطان الرجيم . ثم تلا قوله تعالى : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ « 2 » . وقال الحسن : إنّما هما همّان يجولان في القلب . همّ من اللّه تعالى ، وهمّ من العدو ، فرحم اللّه عبدا وقف عند همّه . فما كان من اللّه تعالى أمضاه ، وما كان من عدوه جاهده . وقال جابر بن عبيدة العدويّ : شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدري من الوسوسة . فقال : إنما مثل ذلك مثل البيت الذي يمرّ به اللصوص ، فإن كان فيه شيء عالجوه ، وإلا مضوا وتركوه ، يعني : أن القلب الخالي عن الهوى لا يدخله الشيطان ، ولذلك قال اللّه تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ « 3 » . فكل من اتبع الهوى ، فهو عبد الهوى لا عبد اللّه . ولذلك سلّط اللّه عليه الشيطان . وقال تعالى : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ « 4 » . وهو إشارة إلى أن من اتخذ الهوى إلهه ومعبوده فهو عبد الهوى لا عبد اللّه . ولذلك قال عثمان بن أبي العاص للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يا رسول اللّه حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي ، فقال : « ذلك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ باللّه منه واتفل عن يسارك ثلاثا » قال : ففعلت ذلك ، فأذهبه اللّه عني . وفي الخبر : « إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان ، فاستعيذوا باللّه منه » . ولا يمحو وسوسة الشيطان من القلب ، إلا ذكر ما سوى ما يوسوس به ، لأنه إذا

--> ( 1 ) لمّة : أي مس . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 268 . ( 3 ) سورة الإسراء الآية : 65 . ( 4 ) سورة الفرقان ، الآية : 43 .