الغزالي
391
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
خطر في القلب ذكر شيء ، انعدم منه ما كان فيه من قبل ، ولكن كل شيء سوى اللّه تعالى ، وسوى ما يتعلّق به ، يجوز أيضا أن يكون له مجال للشيطان . وذكر اللّه هو الذي يؤمن جانبه ، ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال ، ولا يعالج الشيء إلا بضده . وضد جميع وساوس الشيطان ذكر اللّه بالاستعاذة والتبرّي عن الحول والقوة . وهو معنى قولك : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الغالب عليهم ذكر اللّه تعالى ، وإنما الشيطان يطوف عليهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة . قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ « 1 » . وقال مجاهد في معنى قول اللّه تعالى : مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ « 2 » . قال : هو منبسط على القلب ، فإذا ذكر اللّه تعالى خنس وانقبض ، وإذا غفل انبسط على قلبه ، فالتّطارد بين ذكر اللّه تعالى ووسوسة الشيطان ، كالتطارد بين النور والظلام ، وبين الليل والنهار ، ولتضادهما . قال اللّه تعالى : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ « 3 » . وقال أنس : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم ، فإن هو ذكر اللّه تعالى خنس « 4 » ، وإن نسي اللّه تعالى التقم قلبه » . وقال ابن وضاح في حديث ذكره ، « إذا بلغ الرجل أربعين سنة ، ولم يتب ، مسح الشيطان وجهه بيده ، وقال بأبي وجه من لا يفلح » . وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم ابن آدم ودمه ، فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه ، ومحيطة بالقلب من جوانبه ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فضيقوا مجاريه بالجوع » وذلك لأن الجوع يكسر الشهوة ، ومجرى الشيطان الشهوات ، ولأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه ، قال اللّه تعالى إخبارا عن إبليس : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 201 . ( 2 ) سورة الناس ، الآية : 4 . ( 3 ) سورة المجادلة ، الآية : 19 . ( 4 ) خنس : رجع وذهب عنه .