الغزالي
376
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
أن هذا أيضا قد عزّ ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المداهنة « 1 » ، فيخبر بالعيب ، أو يترك الحسد ، فلا يزيد على قدر الواجب ، فلا تخلو في أصدقائك عن حسود ، أو صاحب غرض ، يرى ما ليس بعيب عيبا ، أو عن مداهن ، يخفى عنك بعض عيوبك . ولهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس ، فقيل له : لم لا تخالط الناس ؟ فقال : وما ذا أصنع بأقوام تخفي عني عيوبي ؟ فكانت شهوة ذوي الدين أن ينتبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم . وقد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا ، من ينصحنا ويعرفنا بعيوبنا . ويكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان ، فإن الأخلاق السيئة حيّات وعقارب لداغة . فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منّه منّة وفرحنا به . واشتغلنا بإزالة العقرب وابعادها وقتلها . وإنما نكايتها على البدن ، ويدوم ألمها يوما فما دونه ، ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب ، أخشى أن تدوم بعد الموت أبدا ، أو آلافا من السنين . ثم إنا لا نفرح بمن ينبّهنا عليها ، ولا نشتغل بإزالتها ، بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته ، فنقول له : وأنت أيضا تصنع كيت وكيت ، وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه . ويشبه أن يكون ذلك عن قسوة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب . وأصل كل ذلك : ضف الإيمان . فنسأل للّه عز وجل أن يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ، ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوينا ، بمنّه وفضله . الطريق الثالث : أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه . فإن عين السخط تبدي المساوىء . ولعل انتفاع الانسان بعدو مشاحن « 2 » يذكّره عيوبه ، أكثر من انتفاعه بصديق مداهن ، يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه . إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو ، وحمل ما يقوله على الحسد ، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه . فإن مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم . الطريق الرابع : أن يخالط الناس . فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق ، فليطالب
--> ( 1 ) المداهنة : هي إظهار خلاف ما يضمر الإنسان . ( 2 ) مشاحن : حاقد وباغض .