الغزالي

377

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

نفسه به وينسبها إليه . فإن المؤمن مرآة المؤمن ، فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى ، فما يتصف به واحد من الأقران ، لا ينفك القرن الآخر عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه ، فليتفقد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من غيره ، وناهيك بهذا تأديبا ، فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم ، لاستغنوا عن المؤدب . قيل لعيسى عليه السلام : من أدّبك ؟ قال : ما أدّبني أحد ، رأيت جهل الجاهل شينا ، فاجتنبته . وهذا كله حيل من فقد شيخا عارفا ذكيا بصيرا بعيوب النفس ، مشفقا ناصحا في الدين ، فارغا من تهذيب نفسه ، مشتغلا بتهذيب عباد اللّه تعالى ، ناصحا لها فمن وجد ذلك ، فقد وجد الطبيب فليلازمه ، فهو الذي يخلصه من مرضه ، وينجيه من الهلاك الذي هو بصدده . واعلم أن ما ذكرناه إن تأملته بعين الاعتبار ، إنفتحت بصيرتك وانكشفت لك علل القلوب وأمراضها ، وأدويتها بنور العلم واليقين . فإن عجزت عن ذلك فلا ينبغي أن يفوتك التصديق . والإيمان على سبيل التلقي والتقليد ، لمن يستحق التقليد ، فإن للإيمان درجة ، كما أن للعلم درجة ، والعلم يحصل بعد الإيمان ، وهو وراءه . قال اللّه تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ « 1 » فمن صدق بأن مخالفة الشهوات هو الطريق إلى اللّه عز وجل ، ولم يطلّع على سببه وسرّه ، فهو من الذين آمنوا ، وإذا اطلّع على ما ذكرناه من أعوان الشهوات ، فهو من الذين أوتوا العلم ، وكلا وعد اللّه الحسنى . والذي يقتضي الإيمان بهذا الأمر ، في القرآن والسنة وأقاويل العلماء أكثر من أن يحصر . قال اللّه تعالى : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى « 2 »

--> ( 1 ) سورة المجادلة ، الآية : 11 . ( 2 ) سورة النازعات ، الآيتان : 40 ، 41 .