الغزالي

316

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

فلما جاوزه ، قال له : أسألك بالذي أراك هذه الآية . من أخذ الرّغيف ؟ فقال : لا أدري . فانتهيا إلى مفازة فجلسا فأخذ عيسى عليه السلام يجمع ترابا وكثيبا . ثم قال : كن ذهبا بإذن اللّه تعالى . فصار ذهبا ، فقسمه ثلاثة أثلاث ثم قال : ثلث لي ، وثلث لك ، وثلث لمن أخذ الرغيف . فقال : أنا الذي أخذت الرغيف . فقال : كله لك . وفارقه عيسى عليه السلام ، فانتهى إليه رجلان في المفازة ومعه المال ، فأرادا أن يأخذاه منه ، ويقتلاه ، فقال : هو بيننا أثلاثا ، فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشتري لنا طعاما نأكله . قال : فبعثوا أحدهم ، فقال الذي بعث : لأي شيء أقاسم هؤلاء هذا المال ؟ لكني أضع في الطعام سمّا فأقتلهما ، وآخذ المال وحدي . قال : ففعل ، وقال ذلك الرجلان : لأي شيء نجعل لهذا ثلث المال ؟ ولكن إذا رجع قتلناه ، واقتسمنا المال بيننا . قال : فلما رجع إليهما قتلاه ، وأكلا الطعام فماتا فبقي ذلك المال في المفازة ، وأولئك الثلاثة عنده قتلى ، فمرّ بهم عيسى عليه السلام على تلك الحالة . فقال لأصحابه : هذه هي الدنيا ، فاحذروها . وحكي أن ذا القرنين أتى على أمّة من الأمم ، ليس بأيديهم شيء مما يستمتع به الناس من دنياهم ، وقد احتفروا قبورا فإذا أصبحوا تعهدوا تلك القبور وكنسوها ، وصلّوا عندها ، ورعوا البقل كما ترعى البهائم ، وقد قيّض لهم في ذلك معايش من نبات الأرض ، وأرسل ذو القرنين إلى ملكهم ، فقال له : أجب ذا القرنين . فقال : ما لي إليه حاجة ، فإن كان له حاجة فليأتني . فقال ذو القرنين : صدق . فأقبل ذو القرنين . وقال له : أرسلت إليك لتأتيني ، فأبيت فها أنا قد جئت . فقال : لو كان لي إليك حاجة لأتيتك . فقال له ذو القرنين : مالي أراكم على حالة لم أر أحدا من الأمم عليها ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : ليس لكم دنيا ولا شيء . أفلا اتخذتم الذهب والفضة ، فاستمتعم بهما ؟ قال : إنما كرهناهما . لأن أحدا لم يعط منهما شيئا ، إلا تاقت « 1 » نفسه ، ودعته إلى ما هو أفضل منه . فقال : ما بالكم قد احتفرتم قبورا ، فإذا أصبحتم تعهدتموها ، فكنستموها ، وصلّيتم

--> ( 1 ) تاقت : اشتاقت .