الغزالي
317
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
عندها ؟ قال : أردنا إذا نظرنا إليها وأمّلنا الدنيا منعتنا قبورنا من الأمل . قال : وأراكم لا طعام لكم إلّا البقل من الأرض أفلا اتّخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وركبتموها فاستمتعتم بها ؟ قال : كرهنا أن نجعل بطوننا قبورا لها ، ورأينا في نبات الأرض بلاغا ، وإنّما يكفي ابن آدم أدنى العيش من الطعام ، وأيّ ما جاوز الحنك من الطعام ، لم نجد له طعما كائنا ما كان من الطعام ، ثم بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين فتناول جمجمة ، فقال : يا ذا القرنين ، أتدري من هذا ؟ قال : لا ، ومن هو ؟ قال : ملك من ملوك الأرض ، أعطاه اللّه سلطانا على أهل الأرض ، فغشم وظلم وعتا « 1 » ، فلما رأى اللّه سبحانه ذلك منه حسمه بالموت ، فصار كالحجر الملقى ، وقد أحصى عليه عمله حتى يجزيه به في آخرته . ثم تناول جمجمة أخرى بالية ، فقال : يا ذا القرنين ، هل تدري من هذا ؟ قال : لا أدري ، ومن هو ؟ قال : هذا ملك ملكه اللّه بعده ، قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الغشم والظلم والتجبّر ، فتواضع وخشع للّه عزّ وجلّ ، وأمر بالعدل في أهل مملكته ، فصار كما ترى ، قد أحصى اللّه عليه عمله ، حتى يجزيه به في آخرته ، ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين فقال : وهذه الجمجمة ستصير كهذين ، فانظر يا ذا القرنين ما أنت صانع . فقال له ذو القرنين : هل لك في صحبتي فاتخذك أخا ووزيرا وشريكا فيما آتاني اللّه من هذا المال ؟ قال : ما أصلح أنا وأنت في مكان ، ولا أن نكون جميعا . قال ذو القرنين : ولم ؟ قال من أجل أنّ الناس كلّهم لك عدوّ ، ولي صديق . قال : ولم ؟ قال : يعادونك لما في يديك من الملك والمال والدنيا ، ولا أجد أحدا يعاديني لرفضي لذلك ، ولما عندي من الحاجة وقلّة الشيء . قال : فانصرف عنه ذو القرنين متعجبا منه ، ومتّعظا به . وما أحسن قول القائل : يا من تمتع بالدنيا وزينتها * ولا تنام عن اللّذات عيناه شغلت نفسك فيما ليس تدركه * تقول للّه ماذا حين تلقاه ؟ وقال الآخر :
--> ( 1 ) عتا : عتوا وعتيّا : استكبر وأجاوز الحد .