الغزالي
315
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
نريد أن نأخذ هذا منك . قال : بلى خذاها نفسي بها طيّبة ، وإنما هي لتأخذاها . فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة . فسألاه الصدقة . فقال : أرياني كتابكما . فنظر فيه فقال : هذه أخت الجزية . انطلقا حتى أرى رأيي . فانطلقا حتى أتيا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما رآهما قال : « يا ويح ثعلبة » قبل أن يكلّماه ، ودعا للسّليمي ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، وبالذي صنع السّليمي ، فأنزل اللّه تعالى في ثعلبة : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ « 1 » وعند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل من أقارب ثعلبة ، فسمع ما أنزل اللّه فيه ، فخرج حتى أتى ثعلبة . فقال : لا أم لك يا ثعلبة ، قد أنزل اللّه فيك كذا وكذا . فخرج ثعلبة حتى أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فسأله أن يقبل منه صدقته ، فقال : « إن اللّه منعني أن أقبل منك صدقتك » فجعل يحثو التراب على رأسه . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا عملك أمرتك فلم تطعني » فلمّا أبى أن يقبل منه شيء ، رجع إلى منزله ، فلما قبض رسول اللّه جاء بها إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فأبى أن يقبلها منه ، وجاء بها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فأبى أن يقبلها منه ، وتوفي ثعلبة بعد خلافة عثمان . وقد روي عن جرير عن ليث قال : صحب رجل عيسى بن مريم عليه السلام فقال : أكون معك وأصحبك . فانطلقا حتى انتهيا إلى شطّ نهر ، فجلسا يتغدّيان ، ومعهما ثلاثة أرغفة ، فأكلا رغيفين ، وبقي رغيف ثالث ، فقام عيسى عليه السلام إلى النهر فشرب ، ثم رجع ، فلم يجد الرغيف ، فقال للرجل : من أخذ الرغيف ؟ فقال : لا أدري . قال : فانطلق ومعه صاحبه ، فرأى ظبية ومعها خشفان « 2 » لها ، فدعا أحدهما فأتاه فذبحه ، فاشتوى منه فأكل هو وذاك الرجل ، قال للخشف : قم بإذن اللّه . فقام فذهب ، فقال للرجل : أسألك بالذي أراك هذه الآية ، من أخذ الرغيف ؟ فقال : لا أدري ، ثم انتهيا إلى وادي ماء فأخذ عيسى بيد الرجل ، فمشيا على الماء .
--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآيات : 75 - 77 . ( 2 ) الخشفان : تثنية مفردها : خشف وهو الظبي الصغير .