الغزالي

314

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

59 - باب : في بيان ذم الدنيا والتحذير منها روي عن أبي أمامة الباهلي : أنّ ثعلبة بن حاطب قال : يا رسول اللّه ، ادع اللّه أن يرزقني مالا . قال : « يا ثعلبة ، قليل تؤدي شكره ، خير من كثير لا تطيقه » قال : يا رسول اللّه ، ادع اللّه أن يرزقني مالا . قال : « يا ثعلبة ، أمالك فيّ أسوة ؟ أما ترضى أن تكون مثل نبي اللّه تعالى ؟ أما والذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت » قال : والذي بعثك بالحقّ نبيّا ، لئن دعوت اللّه أن يرزقني مالا لأعطينّ كلّ ذي حقّ حقّه ، ولأفعلنّ ولأفعلنّ . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم ارزق ثعلبة مالا » فاتخذ غنما فنمت كما ينو الدود ، فضاقت عليه المدينة ، فتنحّى عنها فنزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلّي الظهر والعصر في الجماعة ، ويدع ما سواهما ، ثم نمت وكثرت ، فتنحّى حتى ترك الجماعة إلّا الجمعة ، وهي تنمو كما ينمو الدود ، حتى ترك الجمعة ، وطفق يلقى الرّكبان يوم الجمعة فيسألهم عن الأخبار في المدينة ، وسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه . فقال : « ما فعل ثعلبة بن حاطب » ؟ فقيل : يا رسول اللّه اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة . وأخبر بأمره كلّه ، فقال : « يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ويا ويح ثعلبة » . قال : « وأنزل اللّه تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ « 1 » وأنزل اللّه تعالى فرائض الصدقة ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا من جهينة ورجلا من بني سليم على الصدقة ، وكتب لهما كتابا بأخذ الصدقة ، وأمرهما أن يخرجا فيأخذا الصدقة من المسلمين ، وقال : « مرّا بثعلبة بن حاطب ، وبفلان - رجل من بني سليم - وخذا صدقاتهما » فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة . وأقرآه كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما هذه إلّا جزية ، ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إليّ ، فانطلقا نحو السليمي ، فسمع بها ، فقام إلى أخيار أسنان إبله ، فعزلها للصدقة . ثم استقبلهما بهما ، فلما رأياها قالا : لا يجب عليها ذلك ، وما

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 103 .