الغزالي

307

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

57 - باب : في بيان فضل التواضع والقناعة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد للّه إلا رفعه » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها ، فإن هو رفع نفسه جبذاها ، ثم قالا : اللهمّ ضعه ، وإن وضع نفسه قالا : اللهم ارفعه » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « طوبى لمن تواضع في غير مسكنة ، وأنفق مالا جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذل والمسكنة ، وخالط أهل الفقه والحكمة » . وروي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان في نفر من أصحابه في بيته يأكلون ، فقام سائل على الباب وبه زمانة « 1 » يتكرّه منها ، فأذن له فلما دخل أجلسه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على فخذه ، ثم قال له : « أطعم » . فكأن رجلا من قريش اشمأز « 2 » منه وتكرهه ، فما مات ذلك الرجل حتى كانت به زمانة مثلها . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « خيّرني ربّي بين أمرين : أكون عبدا رسولا ، أو ملكا نبيّا فلم أدر أيّهما أختار ، وكان في صفيي من الملائكة جبريل ، فرفعت رأسي إليه . فقال : تواضع لربّك . فقلت : عبدا رسولا » . وأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام : إنّما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ، ولم يتعاظم على خلقي ، وألزم قلبه خوفي . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكرم التقوى ، والشرف التواضع ، واليقين الغنى » . وقال المسيح عليه السلام : طوبى للمتواضعين في الدنيا ، هم أصحاب المنابر يوم القيامة ، طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا ، هم الذين يرثون الفردوس يوم القيامة ، طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا ، هم الذين ينظرون إلى اللّه تعالى يوم القيامة .

--> ( 1 ) زمانة : أي عاهة . ( 2 ) إشمأز : أي تعفف منه . وكرهه .