الغزالي
308
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال بعضهم : بلغني أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا هدى اللّه عبدا للإسلام ، وحسّن صورته ، وجعله في موضع غير شائن له ، ورزقه مع ذلك تواضعا ، فذلك من صفوة اللّه » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أربع لا يعطيهنّ اللّه إلّا من أحبّ : الصمت ، وهو أول العبادة ، والتوكّل على اللّه ، والتواضع ، والزهد في الدنيا » . ويروى : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يطعم ، فجاء رجل أسود به جدريّ ، قد تقشّر ، فجعل لا يجلس إلى أحد إلّا قام من جنبه ، فأجلسه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جنبه وقال : « إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده ، يكون مهنة لأهله ، يدفع به الكبر عن نفسه » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه يوما : « ما لي لا أرى عليكم حلاوة العبادة ؟ قالوا : وما حلاوة العبادة ؟ قال : « التواضع » . وقال : « إذا رأيتم المتواضعين من أمّتي فتواضعوا لهم ، وإذا رأيتم المتكّبرين فتكبّروا عليهم ، فإن ذلك مذلة لهم وصغار » . ومن أحسن ما قيل شعرا : تواضع تكن كالنجم لاح لناظر * على صفحات الماء وهو رفيع ولا تلك كالدخان يعلو بنفسه * على طبقات الجو وهو وضيع ومما جاء في فضل القناعة زيادة على ما تقدّم : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « عزّ المؤمن استغناؤه عن الناس » ففي القناعة الحريّة والعزّ . ولذلك قيل : استغن عمن شئت تكن نظيره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره . قليل يكفيك خير من كثير يطغيك . وقال بعضهم : ما رأيت غنى أفضل من القناعة ، ولا فقرا أشد من الرغبة . وأنشد : أفادتني القناعة ثوب عزّ * وأيّ غنى أعزّ من القناعة فصيّرها لنفسك رأس مال * وصيّر بعدها التقوى بضاعه تجد ربحين تغنى عن خليل * وتنعم في الجنان بصبر ساعة