الغزالي
297
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وعن جابر رضي اللّه عنه قال : لما رجعت مهاجرة الحبشة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ألا تخبروني بأعجب ما رأيتم في أرض الحبشة ؟ » . فقال قتيبة ، وكان منهم : عليّ يا رسول اللّه : بينما نحن يوما جلوس ، إذ مرت بنا عجوز من عجائزهم ، تحمل على رأسها قلّة « 1 » من ماء ، فمرت بفتى منهم ، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ، ثم دفعها ، فخرت المرأة على ركبتيها ، وانكسرت قلتها . فلما قامت التفتت إليه . ثم قالت : سوف تعلم يا غدر إذا وضع اللّه الكرسي ، فجمع الأولين والآخرين ، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون . سوف تعلم ما أمري وأمرك عنده غدا . قال : فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كيف يقدس اللّه قوما لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم ؟ » . وروي عن رسول اللّه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « خمسة غضب اللّه عليهم إن شاء أمضى غضبه عليهم في الدنيا ، وإلا ثوى بهم في الآخرة إلى النار : أمير قوم يأخذ حقه من رعيته ولا ينصفهم من نفسه ولا يدفع الظلم عنهم ، وزعيم قوم يطيعونه ولا يسوي بين القوي والضعيف ويتكلم الهوى ، ورجل لا يأمر أهله وولده بطاعة اللّه ، ولا يعلمهم أمر دينهم ، ورجل استأجر أجيرا فاستعمله ، ولم يوفه أجره ، ورجل ظلم امرأة في صداقها » . وعن عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه أنه قال : إن اللّه تعالى لما خلق الخلق واستووا على أقدامهم ، رفعوا رؤوسهم إلى اللّه ، وقالوا : يا رب مع من أنت ؟ قال : مع المظلوم حتى يؤدّى إليه حقّه . وعن وهب بن منبّه رضي اللّه عنه : بنى جبّار من الجبابرة قصرا وشيّده ، فجاءت عجوز فقيرة ، فبنت إلى جانبه شيئا تأوي إليه ، فركب الجبار يوما وطاف حول القصر ، فرأى بناءها ، فقال : لمن هذا ؟ فقيل : لامرأة فقيرة تأوي إليه ، فأمر بهدمه فهدم ، فجاءت العجوز فرأته مهدوما ، فقالت : من هدمه ؟ فقيل لها : الملك رآه فهدمه . فرفعت العجوز رأسها إلى السماء . وقالت : يا رب أنا لم أكن حاضرة فأنت أين كنت ؟ قال : فأمر اللّه عز وجل جبريل أن يقلب القصر على من فيه فقلبه .
--> ( 1 ) قلّة : القلّة : هي إناء من الفخار يشرب منها .