الغزالي

298

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقيل : لما حبس بعض البرامكة وولده ، قال : يا أبت ، بعد العز صرنا في القيد والحبس ؟ قال : يا بني دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ، ولم يغفل اللّه عز وجل عنها . وكان يزيد بن حكيم يقول : ما هبت « 1 » أحدا قط هيبتي رجلا ظلمته ، وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا اللّه . يقول لي : حسبي اللّه ، اللّه بيني وبينك . وعن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال : يجيء الظالم يوم القيامة ، حتى إذا كان على جسر جهنم فلقيه المظلوم وعرف ما في ظلمه ، فما يبرح الذين ظلموا بالذين ظلموا حتى ينزعوا ما بأيديهم من الحسنات ، فإن لم يجدوا لهم حسنات حملوا عليهم من سيئاتهم ، مثل ما ظلموهم ، حتى يردوا الدرك الأسفل من النار . وعن عبد اللّه بن أنيس قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما ، فيناديهم مناد بصوت يسمعه من بعد ، كما يسمعه من قرب : أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، وأحد من النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة فما فوقها ، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى اللطمة فما فوقها ، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 2 » . قلنا : يا رسول اللّه ، كيف وإنما نأتي حفاة عراة غرلا بهما ؟ قال : « بالحسنات والسيئات » جَزاءً وِفاقاً « 3 » وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً . وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من ضرب سوطا ظلما ، اقتص منه يوم القيامة » . ومما ذكر أن كسرى اتخذ مؤدبا لولده يعمله ويؤدبه ، فلما بلغ الولد الغاية في الفضل والأدب ، استحضره المؤدب يوما وضربه ضربا وجيعا ، من غير جرم ولا سبب . فحقد الولد على المعلم إلى أن كبر ومات أبوه ، فتولى الملك بعده . فاستحضر المعلم

--> ( 1 ) هبت : خفت . ( 2 ) سورة الكهف ، الآية : 49 . ( 3 ) سورة النبأ ، الآية : 26 .