الغزالي

250

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وعن محمد بن كعب القرظي : أنه كان يقرأ قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ « 1 » قال : أي شيء تريد ؟ وفي أي شيء ترغب ؟ أتريد أن ترجع لتجمع المال وتغرس الغراس وتبني البنيان وتشقق الأنهار ؟ قال : لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ « 2 » قال : فيقول الجبار : كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها « 3 » أي ليقولنها عند الموت . وقال أبو هريرة : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن في قبره في روضة خضراء ، ويرحب له في قبره سبعون ذراعا ، ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر ، هل تدرون في ماذا أنزلت فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً « 4 » « 5 » ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : « في عذاب الكافر في قبره ، يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا . هل تدرون ما التنين ؟ تسعة وتسعون حية ، لكل حية سبعة رؤوس ، يخدشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون » . ولا ينبغي أن يتعجب من هذا العدد على الخصوص ، فإن عدد هذه الحيات والعقارب بعدد الأخلاق المذمومة من الكبر والرياء والحسد والغل والحقد وسائر الصفات ، فإن لها أصولا معدودة ثم تتشعب منها فروع معدودة ، ثم تنقسم فروعها بأقسام ، وتلك الصفات بأعيانها هي المهلكات ، وهي بأعيانها تنقلب عقارب وحيات ، فالقوي منها يلدغ لدغ التنين ، والضعيف يلدغ لدغ العقرب ، وما بينهما يؤذي إيذاء الحيّة . وأرباب القلوب والبصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات ، وانشعاب فروعها ، إلا أن مقدار عددها ما لا يوقف إلا بنور النبوة ، فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة ، وأسرار خفية ، ولكنها عند أرباب البصائر واضحة ، فمن لم تتكشف له حقائقها ، فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها ، بل أقلّ درجات الإيمان : التصديق والتسليم .

--> ( 1 ) سورة المؤمنون ، الآيتان : 99 ، 100 . ( 2 ) سورة المؤمنون ، الآية : 99 . ( 3 ) سورة المؤمنون ، الآية : 100 . ( 4 ) ضنكة : أي ضيقة في كل شيء . ( 5 ) سورة طه ، الآية : 124 .