الغزالي

249

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

السماء ، فليس منها باب إلا يكره أن يدخل بروحه منه . فإذا صعد بروحه نبذ ، وقيل : أي رب ، عبدك فلان لم تقبله سماء ولا أرض ؟ فيقول اللّه عز وجل : أرجعوه فأروه ما أعددت له من الشر إني وعدته : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ « 1 » . وإنّه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال له : يا هذا ، من ربك ومن نبيك وما دينك ؟ فيقول : لا أدري . فيقال له : لا دريت . ثم يأتيه آت قبيح الوجه منتن الريح قبيح الثياب ، فيقول : أبشر بسخط اللّه وبعذاب أليم مقيم . فيقول : بشرك اللّه بشر ، من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الخبيث ، واللّه إن كنت لسريعا إلى معصية اللّه ، بطيئا عن طاعة اللّه فجزاك اللّه شرا . فيقول : وأنت فجزاك اللّه شرا . ثم يقبض له أصم أعمى أبكم ، معه مرزبة من حديد لو اجتمع عليها الثقلان على أن يقلوها لم يستطيعوا ، لو ضرب بها جبل صار ترابا ، فيضربه بها ضربة فيصير ترابا ، ثم تعود فيه الروح ، فيضربه بها بين عينيه ضربة يسمعها من على الأرضين ليس الثقلين « 2 » ، قال : ثم ينادي مناد : أن افرشوا له لوحين من نار ، وافتحوا له بابا إلى النار . فيفرش له لوحان من نار ، ويفتح له باب إلى النار . وقال محمد بن علي : ما من ميت يموت إلا مثّل « 3 » له عند الموت أعماله الحسنة وأعماله السيئة ، قال : فيشخص إلى حسناته ، ويطرق عن سيئاته . وقال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان ، فتسل « 4 » روحه كما تسل الشعرة من العجين ، ويقال : أيتها النفس المطمئنة أخرجي راضية مرضية عنك إلى روح اللّه وكرامته ، فإذا أخرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان ، وطويت عليها الحريرة ، وبعث إلى عليين . وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة ، فتنزع روحه انتزاعا شديدا ، ويقال : أيتها النفس الخبيثة ، أخرجي ساخطة ومسخوطا ، عليك إلى هوان اللّه وعذابه ، فإذا أخرجت روحه ، وضعت على تلك الجمرة ، وإن لها نشيشا ، ويطوى عليها المسح ، ويذهب بها إلى سجين » .

--> ( 1 ) سورة طه ، الآية : 55 . ( 2 ) الثقلين : الإنس والجن . ( 3 ) مثّل : صوّر - وخيّل . ( 4 ) فتسلّ : تخرج روحه .