الغزالي
247
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
محمولا تهاداه أحبّته إلى المنزل الذي لا بد له منه . وقال يزيد الرقاشي : بلغني أنّ الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ثم أنطقها اللّه ، فقالت : أيّها العبد المنفرد في حفرته ، انقطع عنك الأخلّاء « 1 » والأهلون فلا أنيس لك اليوم عندنا . وقال كعب : إذا وضع العبد الصالح في القبر احتوشته أعماله الصّالحة : الصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد والصدقة ، قال : فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة : إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه ، فقد أطال بي القيام للّه عليهما . فيأتونه من قبل رأسه فيقول الصيام : لا سبيل لكم عليه ، فقد أطال ظمأه « 2 » للّه في دار الدنيا فلا سبيل لكم عليه . فيأتونه من قبل جسده ، فيقول الحج والجهاد : إليكم عنه ، فقد أنصب « 3 » نفسه ، وأتعب بدنه وحج وجاهد للّه فلا سبيل لكم عليه . قال : فيأتونه من قبل يديه ، فتقول الصدقة : كفوا عن صاحبي ، فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين ، حتى وقعت في يد اللّه تعالى ابتغاء وجهه ، فلا سبيل لكم عليه . قال : فيقال له : هنيئا . طبت حيا وطبت ميتا . قال : ويأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشا من الجنة ودثارا « 4 » من الجنة ، ويفسح له في قبره مد بصره ، ويؤتى بقنديل من الجنة فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه اللّه من قبره . وقال عبيد اللّه بن عبيد بن عمير في جنازة : بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن الميّت يقعد وهو يسمع خطو مشيّعيه بن فلا يكلّمه شيء إلا قبره يقول : ويحك ابن آدم ، أليس قد حذرتني ، وحذرت ضيقي ونتني وهولي ودودي ، فماذا أعددت لي ؟ » .
--> ( 1 ) الأخلاء : الأصحاب . ( 2 ) ظمأه : عطشه . ( 3 ) أنصب : أتعب . ( 4 ) دثارا : غطاء .