الغزالي
227
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وهذا يدلّ على أنّ البكاء ينبغي أن لا ينقطع أبدا ، وإلى هذا السرّ يشير ما روي : أنّه مرّ بعض الأنبياء بحجر صغير يخرج منه ماء كثير ، فتعجّب منه ، فانطقه اللّه تعالى فقال : منذ سمعت قوله تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ « 1 » فأنا أبكي من خوفه ، فسأل اللّه له أن يجيره من النار فأجاره ، ثم رآه بعد مدّة على مثل ذلك فقال : لم تبكي الآن ؟ فقال ذاك بكاء الخوف ، وهذا بكاء الشكر والسرور . وقلب العبد كالحجارة أو أشدّ قسوة ، ولا تزول قسوته إلّا بالبكاء في حال الخوف والشكر جميعا . وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « ينادى يوم القيامة ليقم الحمّادون « 2 » ، فتقوم زمرة « 3 » ، فينصب لهم لواء ، فيدخلون الجنّة » قيل : ومن الحمّادون ؟ قال : « الذين يشكرون اللّه تعالى على كلّ حال » . وفي لفظ آخر : « الذين يشكرون اللّه على السرّاء والضرّاء » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحمد رداء الرحمن » . وأوحى اللّه تعالى إلى أيوب عليه السلام : أني رضيت بالشكر مكافأة من أوليائي . في كلام طويل . وأوحى اللّه تعالى إليه أيضا في صفة الصابرين : أنّ دراهم دار السلام إذا دخلوها ألهمتهم الشكر ، وهو خير الكلام ، وعند الشكر أستزيدهم ، وبالنظر إليّ أزيدهم . ولمّا نزل في الكنوز « 4 » ما نزل قال عمر رضي اللّه عنه : أيّ المال نتّخذ ؟ فقال عليه السلام : « ليتّخذ أحدكم لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا » فأمر باقتناء القلب الشاكر بدلا عن المال .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 24 . ( 2 ) الحمّادون : أي الذين يحمدون اللّه ويشكرونه على جميع الأحوال . ( 3 ) زمرة : جماعة . ( 4 ) أي قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ سورة التوبة ، الآية : 34 ) .