الغزالي
228
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال ابن مسعود : الشكر نصف الإيمان . واعلم أنّ الشكر يتعلّق بالقلب وباللسان وبالجوارح . أمّا بالقلب فقصد الخير ، وإضماره لكافّة الخلق ، وأمّا باللسان فإظهار الشكر للّه تعالى ، بالتحميدات الدّالة عليه ، وأمّا بالجوارح فاستعمال نعم اللّه تعالى في طاعته ، والتوقّي من الاستعانة بها على معصيته ، حتى إن شكر العينين أن تستر كلّ عيب تراه لمسلم ، وشكر الأذنين أن تستر كلّ عيب تسمعه فيه ، فيدخل هذا في جملة شكر نعم اللّه تعالى بهذه الأعضاء ، والشكر باللسان لإظهار الرضا عن اللّه تعالى ، وهو مأمور به . فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم لرجل : « كيف أصبحت ؟ » قال : بخير . فأعاد صلّى اللّه عليه وسلّم : السؤال حتى قال في الثالثة بخير أحمد اللّه وأشكره فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا الذي أردت منك » . وكان السلف يتساءلون ، ونيّتهم استخراج الشكر للّه تعالى ، ليكون الشاكر مطيعا ، والمستنطق له به مطيعا ، وما كان قصدهم الرّياء بإظهار الشوق ، وكلّ عبد سئل عن حال فهو بين أن يشكر ، أو يشكو ، أو يسكت ، فالشكر طاعة ، والشكوى معصية قبيحة من أهل الدّين ، وكيف لا تقبح الشكوى من ملك الملوك ، وبيده كلّ شيء إلى عبد مملوك لا يقدر على شيء ؟ . فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء ، وأفضى به الضعف إلى الشكوى أن تكون شكواه إلى اللّه تعالى ، فهو المبلي والقادر على إزالة البلاء ، وذلّ العبد لمولاه عزّ ، والشكوى إلى غير اللّه ذلّ ، وإظهار الذّلّ للعبد - مع كونه عبدا مثله - ذلّ قبيح . قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ « 1 » . وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ « 2 » . فالشكر باللسان من جملة الشكر . وقد روي أنّ وفدا قدموا على عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه ، فقام شاب ليتكلّم ، فقال عمر : الكبر الكبر . فقال : يا أمير المؤمنين ، لو كان الأمر بالسنّ لكان في المسلمين
--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية : 17 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 194 .