الغزالي
22
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
4 - باب : في الرياضة والشهوة النفسانية أوحى اللّه إلى موسى عليه السلام : يا موسى إن أردت أن أكون أقرب إليك من كلامك إلى لسانك ، ومن وسوسة قلبك إلى قلبك ، ومن روحك إلى بدنك ، ومن نور بصرك إلى عينيك ، ومن سمعك إلى أذنك ، فأكثر من الصلاة على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . قال تعالى : وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ « 1 » يعني ما عملت في يوم القيامة . اعلم أيها الإنسان : أن النفّس الأمارة بالسوء هي أعدى لك من إبليس ، وإنما يتقوّى عليك الشيطان بهوى النفس وشهواتها ، فلا تغرّنّك نفسك بالأماني والغرور ، لأن من طبع النفس الأمن والغفلة والراحة والفترة والكسل ، فدعواها باطل ، وكلّ شيء منها غرور ، وإن رضيت عنها واتّبعت أمرها هلكت ، وإن غفلت عن محاسبتها غرقت ، وإن عجزت عن مخالفتها واتبعت هواها قادتك إلى النار . وليس للنفس مرجوع إلى الخير ، وهي رأس البلايا ، ومعدن الفضيحة وهي خزانة إبليس ، ومأوى كلّ شر ، لا يعرفها إلا خالقها . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ « 2 » يعني من الخير والشر . وإذا تفكّر العبد فيما مضى من عمره في طلب آخرته كان هذا التفكّر غسل القلب كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تفكّر ساعة خير من عبادة سنة » كذا في تفسير أبي الليث . فينبغي للعاقل أن يتوب من الذنوب الماضية ، ويتفكّر فيما يقرّبه وينجو به في الدار الآخرة ، ويقصر الأمل ، ويعجل التوبة ، ويذكر اللّه تعالى ، ويترك المناهي ، ويصبّر نفسه ، ولا يتبع الشهوات النفسانية . فالنفس صنم ، فمن عبد النفس فهو يعبد الصنم ، ومن عبد اللّه بالإخلاص فهو الذي قهر نفسه . وروي أن مالك بن دينار كان يمشي في سوق البصرة ، فرأى التين فاشتهاه ، فخلع
--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 18 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 8 .