الغزالي

23

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

نعله وأعطاه إلى البقال وقال : أعطني التين . فرأى البقال النعل . وقال : لا يساوي شيئا . فمضى مالك . فقيل للبقال : أليس تعرف من هذا ؟ قال : لا . قيل : هو مالك بن دينار . فحمل البقال الطبق على رأس غلامه وقال له : إن قبل هذا منك فأنت حر . فعدا الغلام خلف مالك بن دينار وقال له : اقبل هذا مني . فأبى . فقال : اقبل فإن فيه تحريري . فقال له مالك بن دينار : إن كان فيه تحريرك ففيه تعذيبي . فألحّ الغلام عليه ، فقال مالك بن دينار : حلفت أن لا أبيع الدّين بالتين . ولا آكل التين إلى يوم الدّين . حكي أن مالك بن دينار : مرض مرضه الذي مات فيه ، فاشتهى قدحا من العسل واللبن ليثرد « 1 » فيه رغيفا حارا ، فمضى الخادم وحمله إليه ، فأخذه مالك بن دينار ونظر فيه ساعة وقال : يا نفس قد صبرت ثلاثين سنة وقد بقي من عمرك ساعة ، ورمى القدح من يديه وصبّر نفسه ومات . وهكذا أحوال الأنبياء والأولياء ، والصادقين ، والعاشقين ، والزاهدين . قال سليمان بن داود عليه السلام : إن القاهر لنفسه أشد ممن يفتح المدينة وحده . وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : ما أنا ونفسي إلا كراعي غنم ، كلما ضمها من جانب انتشرت من جانب آخر . من أمات نفسه يلفّ في كفن الرحمة ، ويدفن في أرض الكرامة ، ومن أمات قلبه يلف في كفن اللعنة ، ويدفن في أرض العقوبة . قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه تعالى : جاهد نفسك بالطاعة والرياضة ، فالرياضة هجر المنام ، وقلة الكلام ، وحمل الأذى من الأنام ، والقلة من الطعام ، فيتولد من قلة المنام صفو الإرادات ، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات ، ومن قلة الطعام موت الشهوات ، لأن في كثرة الأكل قسوة القلب وذهاب نوره . نور الحكمة الجوع ، والشّبع يبعد من اللّه . كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « نوّروا قلوبكم بالجوع ، وجاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ، وأديمو « 2 » قرع باب الجنة بالجوع ، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل اللّه ، وإنه

--> ( 1 ) ليثرد : من ثرد الخبز ثردا فتره ثم بل بالمرق فهو ثارد والخبز ثريد . ( 2 ) أديموا : من الديمومة التي تعني الاستمرار .