الغزالي

219

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

قال أبو الدرداء لكعب رضي اللّه عنهما : أخبرني عن أخصّ آية . يعني في التوراة ، فقال : يقول اللّه تعالى : طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وإنّي إلى لقائهم لأشدّ شوقا ، قال : ومكتوب إلى جانبها : من طلبني وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني ، فقال أبو الدرداء : أشهد أني لسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول هذا . وفي أخبار داود عليه السلام ، أنّ اللّه تعالى قال : يا داود أبلغ أهل أرضي أنّي حبيب لمن أحبّني ، وجليس لمن جالسني ، ومؤنس « 1 » لمن أنس بذكري ، وصاحب لمن صاحبني ، ومختار لمن اختارني ، ومطيع لمن أطاعني . ما أحبّني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي ، وأحببته حبّا لا يتقدّمه أحد من خلقي . من طلبني بالحقّ وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني ، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلمّوا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ، وأنسوا بي أؤانسكم ، وأسارع إلى محبّتكم ، فإنّي خلقت طينة أحبائي من طينة إبراهيم خليلي ، وموسى نجّيي ، ومحمد صفيّي ، وخلقت قلوب المشتاقين من نوري ونعّمتها بجلالي . وروي عن بعض السّلف ، أنّ اللّه تعالى أوحى إلى بعض الصدّيقين : إنّ لي عبادا من عبادي يحبّوني وأحبّهم ، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم ، ويذكروني وأذكرهم ، وينظرون إليّ وأنظر إليهم ، فإن حذوت « 2 » طريقهم أحببتك ، وإن عدلت « 3 » عنهم مقتّك . قال : يا ربّ ، وما علامتهم ؟ قال : يراعون الظلال بالنهار ، كما يراعي الراعي الشفيق غنمه ، ويحنّون إلى غروب الشمس كما يحنّ الطائر إلى وكره « 4 » عند الغروب ، فإذا جهنّم الليل واختلط الظلام ، وفرشت الفرش ، ونصبت الأسرّة ، وخلا كلّ حبيب بحبيبه ، نصبوا إليّ أقدامهم ، وافترشوا إليّ وجوههم ، وناجوني بكلامي ، وتملّقوا إليّ بإنعامي ، فبين صارخ وباك ، وبين متأوّه وشاك ، وبين قائم وقاعد ، وبين راكع وساجد ، بعيني ما يتحمّلون من أجلي ، وبسمعي ما يشتكون من حبّي ، أوّل ما أعطيهم ثلاث :

--> ( 1 ) مؤنس : من آنس إيناسا : أي لا صف وأزال الوحشة عنهم . ( 2 ) حذوت : سلكت . ( 3 ) عدلت : ابتعدت . ( 4 ) وكره : عشه .